الرأي الثقافي

((مشوار مع بيسْوَا)).. نموذج مبتكَر للتفاعل والانفتاح الثقافي

يقدم كتاب «مشوار مع بيسْوَا»، للروائية الأردنية سميحة خريس، نموذجاً مبتكراً للتفاعل والانفتاح الثقافي عبر مقاربة لكتاب فرناندو بيسْوَا الشهير «كتاب اللاطمأنينة»، تؤسس لـمختبر حواري يلغي الهوة الزمنية -تسعون عاماً من غياب بيسْوَا الشاعر والناقد والمترجم والفيلسوف البرتغالي- والجغرافيّة بين إربد وعمّان ولشبونة.

ويمثل النص الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026) عملية إعادة كتابة مستمرة لبيسْوَا عبر إسقاط الذات المحمّلة بثقافة الشرق التي تنبثق من تجربة حية للكاتبة، حيث تتحول الغرفة 501 في فندق النحاس في إربد إلى جسر يربط بين واقعين متباينين لإنتاج وعي جديد.

تميزت الكاتبة في كتابتها باستدعاء مروحة من التقنيات الروائية والجمالية؛ ما يؤكّد خبرتها وتجربتها الممتدة على مدار سنوات من الإنتاج الروائي اللافت. ففي قفزة تخييلية، ترفض الكاتبة اللقاء البارد عبر الحواسيب، وتخترق الجغرافيا البرتغالية لزرع غابة افتراضية محايدة: «سأصحبك إلى مكان وارفٍ قريب منك، في البرتغال؛ غابة غنّاء اخترعتُها وألقيتُ بها في منتصف الطريق بين قرية (فطيمة) حيث كنيسة القديسة (لوسيا سانتوس) ومدينة لشبونة، حيث أنت». وتتداخل في الكتاب أجناس أدبية عديدة وبسلاسة فائقة، السيرة الذاتية الوجدانية (الفقد الفاجع للابنة، الشيخوخة، طقوس الكتابة)؛ والمقالة النقدية المقارنة (بين بيسْوَا وكازانتزاكيس، وبين شعر النثر والقصيدة الكلاسيكية)؛ والرسائل الطيفية (محاورة كاتب ميت). هذا التهجين يحرر اللغة من قيودها الجافة ويمنحها تدفقاً حياً يشبه «نهر ضاقت به جنباته».

تقارن الكاتبة بشجاعة نقدية بين قدرة بيسْوَا الفريدة على قطع حبل السرّة تماماً مع شخوصه الذين اخترعهم واستلهمهم من أعماقه، وبين حالتها كروائية شرقية تكبّلها «الأمومة» بمفهومها الكوني والواقعي: «أحسدك على جرأتك في الفصل بينك وبين شخوصك الكثر، تقطع حبل السرّة تماماً كنطاسي ماهر... بينما أعيش حالةَ أمّ تشعر بعد الولادة بأن جنينها ما زال يركل أحشاءها». فالأمومة العاطفة البيولوجية، تصبح كابحا معرفيا يمنع السقوط في هوة الجنون الإبداعي والتفتت الذاتي، لأن «العالم طفل» يناديها وعليها أن تحافظ على اتزانها لتجيب على أسئلة الذات والوجود.

ينبذ بيسْوَا التفاصيل اليومية المكررة، ويرى في بشر الواقع «قمامة الغير». بالمقابل، تعيد الكاتبة -باعتمادها على جماليات الواقعية السحرية وتأويلات الحياة اليومية- الاعتبار للأشغال الرتيبة (التطريز، غسل الصحون، الطبخ): «اكتشفت أن عوالم تتشكل في ذهني أثناء انشغال أناملي بمهمتها الروتينة.. النساء مثل الأشجار، يتغيرن، ويثمرن... البسطاء من الناس، والنساء، يعرفون وصفة قتل الرتابة». إنها تواجه النظرة التي يمثلها زهد بيسْوَا الذكوري المترفع عن الواقع، بنظرة أنثوية حيوية ترى في الحركة الرتيبة هدهدة للروح وخلية لولادة الحكايات.

يكشف كتاب سميحة خريس عن تقارب مذهل بين شطحات بيسْوَا الوجودية وتأملاته الصوفية وبين رموز الفكر الصوفي الإسلامي (ابن عربي، الحلاج، النفري). عندما يكتب بيسْوَا: «روحي تيار بحري أسود، دوار أسود حول الفراغ»، تلتقطه الكاتبة نقدياً لتربطه بثقافة علمية حديثة (الثقوب السوداء) وثقافة صوفية قديمة (الفناء في الذات). تستحضر الكاتبة مقولة النفري الشهيرة «كلما ضاقت العبارة، اتسعت الرؤية» لتفسير عجز اللغة والكلمات أمام تدفق الإحساس. وترى في قول بيسْوَا «أنا مركز الكل محاطاً بالهباء» صدىً مباشراً لصيحة الحلاج الوجدانية الشهيرة.

وتقارن الكاتبة بذكاء الروائي بين بيسْوَا كذات مبعثرة تفتقر لرأي خاص، وعمر الخيام كشخصية متعددة التخصصات (فلك، رياضيات، فلسفة، شعر) تتسم بثبات فلسفي قادم من تفكّر عميق وليس من نظم خارجي عقيم. تقتبس من الخيّام فلسفة الحاضر التي تواجه قلق بيسْوَا: «وأغنم من الحاضر لذاته... فليس في طبع الليالي الأمان».

تبدي الكاتبة انحيازاً جمالياً مطلقاً لقصيدة النثر وللرواية، متكئة على مقولة بيسْوَا الجريئة: «في عالم متحضر تماماً لن يوجد فن إلا النثر، والشعر سيبقى ليقرب الأطفال من النثر المستقبلي». ثم تقيم مقاربة بين صرامة الشعر المنظوم وانفلات النثر: «للشعر المنظوم قوانين صارمة مثل الاكراهات وللنثر ساحات واسعة من الحرية والانفلات... إن تسرّب إيقاع شعري داخل النثر لا يعوقه، بينما تسرب إيقاع نثري داخل الشعر يفسده».

وفي معالجة نقدية طريفة لعبارة بيسْوَا حول إعفاء العباقرة من قواعد النحو (مقولة «سيغموند ملك روما')، تضع الكاتبة معياراً نقدياً متوازناً يفرز «الفوضى الهدامة» من «التثوير البنّاء': ملوك روما الحقيقيون هم القلة الذين يفكرون بما يحسون بعمق، فيحق لهم كسر النمط. بينما الغوغاء ومدّعو الحداثة هم من يستسهلون الفوضى دون تمكن، لافتقارهم الموهبة والأدوات.

إن دراسة كتاب «مشوار مع بيسْوَا» تكشف عن عملية تعبّر من خلالها الكاتبة أحزانها الشخصية (فقد الابنة، حروب الإقليم) مستعينة بلاطمأنينة بيسْوَا السوداوية كعلاج بالصدمة الروحية. فالكتابة تحولت إلى معول ينبش في الذات: «في لا طمأنينتك أعملت فأسي في عقلي وروحي، وعثرتُ على زوايا خفية من نفسي... لم أعد التي كنتها قبل هذا المشوار الشقي الماتع».

لقد أثبتت الروائية سميحة خريس أن الحوار مع الكبار الراحلين يمكن أن يُحوَّل إلى عملية توليد مستمرة للأسئلة الكونية التي تجعل من النثر الإنساني عابراً للزمن والجغرافيا، وقادراً على منحنا الضوء الذي يدلّنا، في نهاية المطاف، إلى ذواتنا الحقيقية.