الرأي الثقافي

الأدب الخالد في عصر العولمة

في كتاب «هكذا تكلم زرادشت»، يقول الفيلسوف فريدريك نيتشه في بداية فصل «القراءة والكتابة»: «من بين كلّ ما هو مكتوب لا أحبّ غير ذلك الذي يكتبه امرؤ بدمه. اكتب بالدم؛ وستكتشف أنّ الدم عقل».

في عصر متسارع، تتفاقم الحاجة لأدب رفيع متأنٍّ، يعزّز التفات الأرواح المتعجّلة نحو أدب رصين يهدّئ، بما يضمن الاستغناء بالمعنى.

لم تعد السرعة هي العائق الوحيد، لقد باتت النصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي عائقًا أكبر؛ يحاكي مجريات العصر بتحويل النّص من أداة إبداعية تصنع، إلى قالب جاهز يهدم.

عند التمعّن في مجريات التاريخ الأدبية، سنجد أنّ الأدب لم يسلم من المزاحمة، فقد اصطدم بالتحديات على مرّ العصور، فلم ينجح باعتباره أداة مسطّحة تفقد هيبتها الشعورية والفكرية المرمّمة، بل إنّ الحافز الذي وضعه في القمة، انتصاره بما يبثه من ابتكار، حيث ينطلق من روح تأبى الانقياد أو الحصر في مستويات تقليدية بحتة.

إنّ السؤال الذي يجدر أن يُسأل تزامناً مع كلّ عصر: ما الذي سيقدّمه الأدب اليوم؟ والإجابة لا تقتصر على صياغة الفكرة أو الموضوع، إنّما فيها اشتباك مع كيفية إنتاج روح الفكرة وفهمها، بما يضمن التأثير الأبدي في المتلقّين، والحفاظ على هوية الأدب. فمثلا كيف يمكنك إقناع قارئ بخيال يضعه في صدامية مع حقيقته، ثمّ تثبّته في بقعة تأخذه نحو المستقبل؟ إنّ الاشتغال على صناعة أدب خالد لم يعد سهلا وسط العولمة، بل إنّ كتّابا مكرّسين أصبحوا يتخلون عن مهارتهم باعتبارها أقل فعالية ممّا يمكن للآلة تحقيقه، فيبرمجونها على بضع تعليمات، ويتركون لها التعبير الذي أثقل كاهلهم. فظهر وهم الاستغناء عن القراءة، خلت المكتبات من زائريها، وظهر قرّاء يدّعون الثقافة عبر مراجعات مولّدة ينشرونها في وسائل التواصل.

وما يزيد الخطر، الاعتماد الكليّ على هذه التطبيقات، تحديدا من الكتّاب الصاعدين الذين تزامن ظهورهم والعولمة، فيظنون أنّ الأدب شريك مع مواهبهم، فيقدّم لهم اللغة والمعلومات؛ ليغنيهم عن القراءة والاطّلاع وصقل لغتهم ومواهبهم. إنّ هذه المؤشرات لا تحمّل الأدب عبء المزاحمة فحسب، بل تضع أمامه ضوءا أحمر يهدّد المستقبل المقرون بأيدي الأجيال، ولهذا فإنّ الوعي أصبح فعل ضرورة، يتجاوز التأثير الفرديّ إلى الجماعيّ، والأخذ بعين الاعتبار جدية الحراك الذي يتطلب حملا وازانا للمسؤولية.

فكما يمكننا إشراك الأدب العميق في المناهج، وبثّ الروح الإبداعية المحفّزة على التفكير في قصص الأطفال والناشئة، نحتاجُ جهودا قيادية في إرساء مفاهيم الأدب، وهنا ننطلق نحو سؤال آخر: ماذا يحتاج الأدب اليوم؟

إنّ الحاجة الملحّة التي تقع على كاهل الأديب، هي الانتصار للتجديد، والشجاعة في بثّ الإبداع بعيدا عن المؤثرات، ولنضمن خلود الأدب، نحتاج بصفة أولى إلى الإنسان؛ فهو يحارب التقنيات الجاهزة بعمق تفكيره المنسكب في لغته وخيالاته وموهبته. لا أن يقتبس من تقليدية طرقت آلاف المرّات في السينما والروايات والمسرحيات وغيره، يمكن للذكاء الاصطناعي صياغتها بسهولة، وإن صودف التشابه، يجدر إعادة إنتاجه وصولا لما يعمّق ويقنع.

وليتحقّق هذا الابتكار، يجدر بالكاتب أن يجتهد في التأمل والقراءة، والعيش في قلب النّاس والشارع، وأن ينخرط في بناء عوالمه الخاصّة دون الاعتماد الكليّ على الآلة، بثقة ثابتة بقيمة التفرّد.

في الختام، لستُ بصدد القول إنّني ضدّ الذكاء الاصطناعي بالمطلق، فلا ضير من أن نستفيد منه كأداة، لكن علينا أن لا نجعله أساسا بانيا، تحديدا في العلاقة مع الأدب، والذي لا يضمن بقاءه سوى روح إنسانية تؤصّل للتغيير.