رغم الأجواء الإيجابية عقب الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، الأربعاء، لا تزال شكوك لبنانية تحيط بمدى التزام تل أبيب بتنفيذ اتفاق يقضي ببدء انسحابها من منطقتين تجريبيتين في جنوب البلاد.
ويرى باحثون وخبراء تحدثوا للأناضول أن نجاح الاتفاق يتوقف على تنفيذ انسحاب فعلي من الأراضي المحتلة، فيما تبقى ملفات انتشار الجيش اللبناني والسلاح وآلية التحقق من التنفيذ أبرز التحديات.
ومساء الأربعاء، أعلنت السفارة الأمريكية لدى بيروت التوصل إلى اتفاق بشأن 'هيكلية وإرشادات' تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي من منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان، على أن يبدأ خلال الأيام المقبلة.
وتنص 'صيغة الإطار'، التي وقّعها الجانبان برعاية أمريكية في 26 يونيو/ حزيران 2026، على انسحاب إسرائيلي متدرج من كامل الأراضي اللبنانية المحتلة، يبدأ بتطبيق نموذج في منطقتين تجريبيتين لم تُحددا.
ولم تتضمن الصيغة جدولا زمنيا للانسحاب، وربطت استكماله بتولي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية الكاملة في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، إلى جانب نزع سلاح الجماعات المسلحة، في إشارة إلى 'حزب الله'.
وتحتل إسرائيل مناطق في جنوب لبنان، بعضها منذ عقود وأخرى منذ المواجهات بين عامي 2023 و2024، كما توغلت خلال العدوان الحالي لمسافة تتجاوز 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
ومنذ 2 مارس/ آذار 2026، تواصل إسرائيل عدوانها على لبنان، ما أسفر عن مقتل 4 آلاف و324 شخصا وإصابة 12 ألفا و223 آخرين، فضلا عن نزوح أكثر من مليون شخص، بحسب وزارة الصحة اللبنانية.
اختبار التنفيذ
قالت الصحفية والباحثة السياسية ميساء عبد الخالق للأناضول إن الاتفاق يتضمن منطقتين نموذجيتين للتجربة.
وشككت في انسحاب إسرائيل من كامل جنوب لبنان، معتبرة أن العبرة تكمن في تنفيذ الانسحاب من المنطقتين التجريبيتين أولا.
وتساءلت: 'هل ستنسحب إسرائيل من كافة القرى المحتلة؟'، مشيرة إلى أن تل أبيب تقول إنها لن تنسحب من منطقة أمنية تمتد بعمق 10 كيلومترات داخل لبنان.
وفي أبريل/ نيسان الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي فرض ما سماه 'الخط الأصفر' جنوب نهر الليطاني، وقال إنه يحدد منطقة ممتدة حتى الحدود بوصفها 'منطقة أمنية عازلة'، في تكرار لنموذج اتبعه في قطاع غزة خلال حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة.
ورأت ميساء أن تبرير إسرائيل لاعتماد المناطق التجريبية باختبار قدرة الجيش اللبناني 'لا يمكن للبنان تبنيه'.
وحذرت من التوصل إلى اتفاق شامل دون عرضه على الحكومة والبرلمان، في ظل رفض قوى سياسية لبنانية له، بينها 'التيار الوطني الحر' والزعيم الدرزي وليد جنبلاط.
انسحاب فعلي
أما الخبير العسكري العميد الركن المتقاعد حسن جوني فرأى أن أفضل صيغة لتطبيق نموذج المناطق التجريبية تتمثل في انسحاب حقيقي للجيش الإسرائيلي من مناطق محتلة، يعقبه دخول الجيش اللبناني إليها.
وأضاف للأناضول أن هذا السيناريو سيكون مقبولا ومرحبا به من اللبنانيين، بصرف النظر عن الإطار أو التسميات المعتمدة، مؤكدا أن الحكم النهائي يبقى مرهونا بالتنفيذ.
وشدد جوني على ضرورة انتظار تحديد المناطق التي سيبدأ منها الانسحاب وآليته، معتبرا أن ذلك سيشكل اختبارا لطريقة تعامل 'حزب الله' ميدانيا مع الاتفاق.
ورأى أن الانسحاب من المنطقتين التجريبيتين قد يمنح الاتفاق دفعة إيجابية، لكنه استبعد سهولة استكمال الانسحاب من كامل الأراضي اللبنانية.
وأوضح أن إسرائيل ربطت انسحابها الكامل من جنوب لبنان بنزع سلاح 'حزب الله' في مختلف الأراضي اللبنانية، ما يعيد طرح معضلة الأولوية بين الانسحاب واحتكار الدولة للسلاح.
وتنفذ الحكومة اللبنانية برنامجا لحصر السلاح، بما فيه سلاح 'حزب الله'، بيد الدولة، بينما يتمسك الحزب بسلاحه، ويشدد على أنه 'حركة مقاومة' للاحتلال الإسرائيلي.
موقف 'حزب الله'
وبشأن موقف 'حزب الله'، قالت عبد الخالق إن الحزب يعلن تعاونه جنوب نهر الليطاني فقط، ويرفض الاتفاق مع إسرائيل.
وأضافت أن الحزب يرغب في انسحاب إسرائيل، لكنه لن يتعاون مع الدولة في هذا الملف.
في المقابل، رأى جوني أن الحزب قد يتعامل بإيجابية غير معلنة مع نموذج المناطق التجريبية، إذا أدى إلى انسحاب إسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني.
وأضاف أن البحث عن الأسلحة ونزع سلاح الحزب في مناطق تجريبية جنوب نهر الليطاني قد يكونان مقبولين، استنادا إلى موافقته على اتفاق عام 2024 الذي ينص على انسحابه من تلك المنطقة.
أما المناطق الواقعة شمال النهر، فرجح جوني أن يكون التعامل معها مختلفا، ولا سيما منطقتي زوطر الغربية وزوطر الشرقية.
وقال إن وجود الحزب العسكري في تلك المنطقة ليس كبيرا، وإن المعلومات المتاحة تشير إلى أن منطقة علي الطاهر تقع خارج نطاق المناطق التجريبية.
ويعتبر مراقبون تلة علي الطاهر الاستراتيجية، الواقعة شرق بلدة النبطية الفوقا، خط الدفاع الأساسي و'مركز الأعصاب' اللوجستي والعملياتي لـ'حزب الله' شمال نهر الليطاني.
آلية التحقق
وقالت مصادر رسمية لبنانية للأناضول إن آلية التحقق من انتشار الجيش اللبناني ستكون من اختصاص طرف ثالث، ولن يتولاها الجانب الإسرائيلي.
وأضافت المصادر أن المفاوضات تناولت أكثر من صيغة، بينها إسناد المهمة إلى قوات الأمم المتحدة أو إلى طرف أمريكي، دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
وفي ملفي الأسرى وإعادة الإعمار، قالت عبد الخالق إن لبنان متمسك بعودة أسراه وإطلاق عملية إعادة الإعمار.
وختمت بأن إعادة الإعمار تحتاج إلى مؤتمرات دولية، فيما يربط المجتمع الدولي تقديم الدعم بمعالجة ملف سلاح 'حزب الله'.
وبالإضافة إلى احتلالها أراضي لبنانية، تحتل إسرائيل فلسطين وأراضي في سوريا، وترفض الانسحاب منها وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة المنصوص عليها في قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.