عربي ودولي

كيف ترى إسرائيل ((النصر المطلق))..؟؟

دراسة ترسم ملامح المرحلة المقبلة

تل أبيب تسعى لإقامة مناطق أمنية حدودية مع غزة

يشكل مفهوم «النصر الصهيوني المطلق» أحد أبرز المفاهيم المتداولة في الخطاب السياسي والأمني الإسرائيلي خلال الحرب الدائرة في قطاع غزة، بوصفه رؤية تتجاوز تحقيق التفوق العسكري المباشر إلى إعادة صياغة البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل بصورة تضمن أمنها وتفوقها لعقود مقبلة.

وفي هذا السياق، يقدم العقيد احتياط البروفيسور غابي سيبوني والعميد احتياط إيريز فينر، في دراسة صادرة عن مركز القدس للاستراتيجية والأمن، تصورًا متكاملاً يعتبر أن النصر الحقيقي لا يتحقق بمجرد هزيمة الخصم في ساحة القتال، وإنما بتحويل الإنجازات العسكرية إلى واقع سياسي وأمني وجغرافي دائم يغير موازين القوى في الشرق الأوسط.

ويرى الكاتبان أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتبنى في جوهر هذه الرؤية تطويرًا لمفهوم «الجدار الحديدي» الذي طرحه زئيف جابوتنسكي، بحيث يصبح كل اعتداء على إسرائيل مكلفًا بخسارة دائمة في الأرض أو النفوذ بالنسبة للخصم، وهو ما يحقق ردعًا طويل الأمد ويحول دون تكرار التهديدات مستقبلاً.

ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى الاستيطان باعتباره إجراءً عقابيًا، بل باعتباره ضرورة أمنية واستراتيجية تهدف إلى تثبيت نتائج الحرب ومنع أي انسحاب مستقبلي تحت وطأة الضغوط السياسية أو الدولية.

وتستند هذه الرؤية إلى قناعة بأن الحسم العسكري وحده لا يكفي لتحقيق النصر الاستراتيجي، مستشهدة بحرب عام 1967 التي انتهت بانتصار عسكري واسع، لكنها لم تمنع اندلاع حرب الاستنزاف ثم حرب عام 1973.

ولذلك فإن النصر، وفق هذا التصور، يقتضي بناء واقع جديد قابل للدفاع عنه، يقوم على السيطرة الأمنية المستدامة، وتغيير البيئة السياسية، وإحداث تحول في إدراك الخصوم والحلفاء لطبيعة القوة الإسرائيلية واستعدادها لاستخدامها.

وفي هذا الإطار، يعتبر التقرير أن العمليات العسكرية في قطاع غزة حققت إنجازات مهمة عبر إضعاف البنية العسكرية للفصائل الفلسطينية وتوسيع السيطرة الميدانية، إلا أن هذه الإنجازات لا تزال غير مكتملة ما لم تُترجم إلى ترتيبات أمنية وسياسية دائمة، تشمل إقامة مناطق أمنية وإعادة الاستيطان في بعض المناطق الحدودية، إلى جانب إحداث تحول طويل المدى في البيئة السياسية والاجتماعية التي ترى الدراسة أنها تشكل حاضنة لاستمرار الصراع.

أما على الجبهة اللبنانية، فيرى الكاتبان أن المواجهة مع حزب الله ينبغي ألا تنتهي بمجرد وقف العمليات العسكرية، بل باستمرار الضغوط حتى نزع سلاح الحزب بصورة كاملة، مع الإبقاء على وجود أمني إسرائيلي في المناطق الحدودية إذا اقتضت الضرورات الأمنية ذلك، مستفيدين من أي تفاهمات أو ترتيبات يمكن أن توفر غطاءً سياسياً لهذه السياسة.

وفي الساحة السورية، تعتبر الدراسة أن التحولات التي شهدتها البلاد تتيح فرصة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في الجنوب السوري، من خلال بناء ترتيبات طويلة الأمد مع المكونات المحلية، ولا سيما أبناء الطائفة الدرزية، عبر التعاون الأمني والتدريب والدعم، بما يتيح إنشاء منطقة عازلة مستقرة تشكل عمقًا دفاعيًا إضافيًا لإسرائيل وتوفر مصادر معلومات استخباراتية وشركاء محليين في حفظ الأمن.

وبالنسبة لإيران، ترى الدراسة أن الضربات العسكرية وحدها لا تحقق الهدف النهائي، بل ينبغي أن تتكامل مع ضغوط اقتصادية وسياسية ودبلوماسية مستمرة تهدف إلى إضعاف النظام وتقليص نفوذه الإقليمي، باعتبار أن إزالة مصادر التهديد الاستراتيجي تتطلب معالجة البنية السياسية التي تنتج هذا التهديد، وليس فقط برامجه العسكرية أو النووية.

كما تطرح الدراسة تصورًا لإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني، يقوم على استبدال السلطة الفلسطينية بكيانات إدارية محلية مستقلة في المدن الرئيسية، تعمل تحت السيادة الأمنية الإسرائيلية، باعتبار أن هذا النموذج، من وجهة نظر الكاتبين، يقلل من فرص قيام سلطة مركزية معادية ويحد من نفوذ الفصائل المسلحة.

ويحتل الاستيطان موقعًا محوريًا في هذه الرؤية، إذ يُعد الوسيلة الأساسية لترسيخ نتائج الحرب وتحويلها إلى حقائق دائمة على الأرض، بما يجعل أي تراجع مستقبلي أكثر صعوبة من الناحية السياسية والأمنية.

ولهذا يقترح الكاتبان توسيع النشاط الاستيطاني في مناطق مثل شمال قطاع غزة، وسهل مرجعيون في جنوب لبنان، ومناطق إضافية في هضبة الجولان، مع بحث صيغ قانونية وإدارية مختلفة، من بينها ترتيبات التأجير طويل الأمد، لتقليل حدة الاعتراضات الدولية.

وتنطلق الدراسة كذلك من فرضية أن فرض الوقائع على الأرض قادر مع مرور الوقت على تعديل مواقف المجتمع الدولي، مستشهدة بتجارب تاريخية تتعلق بالقدس والجولان، وترى أن تقديم الاستيطان والسيطرة الأمنية باعتبارهما ضرورات وجودية، وليس إجراءات عقابية، قد يسهم في تخفيف الضغوط السياسية الخارجية. كما تدعو إلى استثمار التحولات الإقليمية وتعزيز الشراكات مع عدد من الدول الآسيوية والأوروبية، بما يرسخ مكانة إسرائيل باعتبارها القوة الإقليمية الأكثر تأثيرًا في مجالات الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد.

وخلاصة هذه الرؤية أن «النصر الصهيوني المطلق» لا يُقاس بعدد المعارك التي يتم الفوز بها أو حجم الخسائر التي تُلحق بالخصوم، وإنما بمدى القدرة على تحويل القوة العسكرية إلى مشروع سياسي واستيطاني وإقليمي دائم يعيد رسم الخريطة الأمنية للشرق الأوسط ويضمن، وفق هذا التصور، تفوق إسرائيل واستقرارها لعقود مقبلة. غير أن نجاح هذا المشروع يظل مرتبطًا بقدرته على تجاوز التحديات الإقليمية والدولية، وتحمل تكاليفه السياسية والعسكرية والاقتصادية، في ظل استمرار الصراع وتعقيداته وتشابك موازين القوى في المنطقة.