حوافز جديدة توجه الاستثمار نحو المشاريع الإنتاجية
أكد خبراء اقتصاديون أن التعديلات التي أقرها مجلس الوزراء على أسس منح الإقامة والجنسية للمستثمرين تمثل تحولاً مهماً في فلسفة السياسة الاستثمارية الأردنية، إذ لم تعد الحوافز تُمنح مقابل ضخ رؤوس الأموال فقط، وإنما أصبحت مرتبطة بحجم القيمة المضافة التي يحققها الاستثمار للاقتصاد الوطني من خلال التشغيل، والإنتاج، والتنمية الإقليمية، والاستثمار طويل الأجل، وهو ما ينسجم مع أفضل الممارسات الحديثة في استقطاب الاستثمار النوعي.
ولفت الخبراء، في أحاديث لـ'الرأي»، إلى أن أهمية هذه التعديلات تتضاعف في ظل الأداء الإيجابي الذي يشهده الاقتصاد الأردني، حيث ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نحو 2.024 مليار دولار خلال عام 2025، محققة نمواً نسبته 25.1% مقارنة بعام 2024، وهو أعلى مستوى تسجله المملكة منذ عام 2017. كما شكلت الاستثمارات العربية 61.3% من إجمالي هذه التدفقات.
وقرر مجلس الوزراء، في جلسته التي عقدها اليوم الأربعاء، برئاسة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، تعديل أسس منح الإقامة والجنسية الأردنية للمستثمرين؛ بهدف تعزيز فرص استقطاب وتحفيز الاستثمار في المحافظات، ورفع سقف متطلبات الحصول على الجنسية عن طريق الاستثمار في سوق عمان المالي، إلى جانب تحفيز الاستثمار في مشاريع وطنية استراتيجية، مثل مشروع مدينة «عمرة».
وتشكل هذه التعديلات نقلة نوعية في تطوير آلية الحصول على الجنسية والإقامة عبر الاستثمار، وذلك من خلال تعديل متطلبات الاستثمار، بما يعزز توجيهه نحو المشاريع الإنتاجية والقطاعات ذات الأولوية، خصوصاً نحو المحافظات، ويربط الحوافز الاستثمارية بالأثر الاقتصادي الحقيقي؛ بما يدعم النمو الاقتصادي، ويوفر فرص عمل مستدامة للأردنيين، وفقاً لأهداف رؤية التحديث الاقتصادي.
ومن شأن التعديلات دعم الاستثمار طويل الأجل من خلال ضوابط تشجع الاستدامة وتحد من الاستثمارات قصيرة الأجل، وتطوير الحوكمة المؤسسية من خلال توحيد المرجعية، لتكون وزارة الاستثمار المرجعية الموحدة لملف المستثمرين، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، والارتقاء بالخدمات المقدمة للمستثمرين، وتعزيز تنافسية الأردن كوجهة إقليمية جاذبة للاستثمار النوعي، من خلال تطوير منظومة الجنسية والإقامة عبر الاستثمار وفق أفضل الممارسات.
وبموجب التعديلات الجديدة، وانسجاماً مع التطورات الإيجابية التي يشهدها سوق عمان المالي، كأحد أفضل الأسواق المالية أداءً في المنطقة؛ سيتم منح الجنسية الأردنية للمستثمر عند قيامه بشراء جديد لأسهم في الشركات الأردنية بمبلغ لا يقل عن 1.5 مليون دينار، على ألا يتم رهنها أو إقراضها أو اقتراضها، وشريطة شراء الأسهم خلال أربعة أشهر من تاريخ صدور كتاب وزارة الاستثمار بالموافقة على السماح له بالتداول بكامل المبلغ من خلال شركة وساطة مالية مرخصة حسب الأصول، وبحيث لا تتجاوز نسبة التركيز في الأسهم المشتراة في شركة واحدة 10% من قيمة الاستثمار الكلي المطلوب.
واشترطت الأسس أنه لا يحق للمستثمر سحب أي مبالغ من حساب الاستثمار، بما في ذلك الأرباح المتأتية من التداول، أو التصرف بها، إلا بعد مضي مدة خمس سنوات من تاريخ شراء الأسهم.
أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن التعديلات التي أقرها مجلس الوزراء على أسس منح الإقامة والجنسية للمستثمرين تمثل تحولاً مهماً في فلسفة السياسة الاستثمارية الأردنية، إذ لم تعد الحوافز تُمنح مقابل ضخ رؤوس الأموال فقط، وإنما أصبحت مرتبطة بحجم القيمة المضافة التي يحققها الاستثمار للاقتصاد الوطني من خلال التشغيل، والإنتاج، والتنمية الإقليمية، والاستثمار طويل الأجل، وهو ما ينسجم مع أفضل الممارسات الحديثة في استقطاب الاستثمار النوعي.
وأوضح الحدب أن رفع الحد الأدنى للاستثمار في سوق عمان المالي للحصول على الجنسية من مليون دينار إلى 1.5 مليون دينار، أي بزيادة تبلغ 50%، مع اشتراط الاحتفاظ بالأسهم لمدة خمس سنوات وعدم رهنها أو التصرف بها، يعكس توجهاً واضحاً نحو تشجيع الاستثمار المؤسسي طويل الأجل، وزيادة عمق السوق المالي، والحد من المضاربات والاستثمارات قصيرة الأجل، بما يعزز استقرار سوق رأس المال ويزيد ثقة المستثمرين.
وأشار الحدب إلى أن القرار يحمل بعداً تنموياً مهماً من خلال منح مزايا أكبر للاستثمار في المحافظات، إذ خُفض الحد الأدنى للاستثمار المطلوب للحصول على الجنسية إلى 500 ألف دينار خارج العاصمة، مقابل 700 ألف دينار داخلها، أي بفارق يقارب 29%، كما خُفض الحد الأدنى للاستثمار العقاري للحصول على الإقامة إلى 150 ألف دينار خارج محافظة العاصمة، مقارنة بـ300 ألف دينار داخلها في بعض الحالات، بما يعكس توجهاً عملياً لإعادة توزيع الاستثمارات جغرافياً، وتحفيز التنمية الاقتصادية خارج المركز.
وأضاف الحدب أن اللافت في التعديلات هو ربط الحوافز بالتشغيل الحقيقي، إذ اشترطت توفير 150 فرصة عمل للأردنيين داخل العاصمة، أو 100 فرصة عمل في المحافظات، وفق بيانات المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، بما يضمن أن ينعكس الاستثمار بصورة مباشرة على سوق العمل، ويحد من أي توظيف صوري. وأوضح أنه في حال استفاد 100 مستثمر فقط من هذا المسار، فإن ذلك قد يعني توفير ما بين 10 آلاف و15 ألف فرصة عمل مباشرة، فضلاً عن آلاف الوظائف غير المباشرة في سلاسل التوريد والخدمات المساندة.
وأكد الحدب أن البرنامج ظل منذ إطلاقه عام 2018 برنامجاً انتقائياً يركز على نوعية الاستثمار أكثر من عدده، إذ بلغ إجمالي الحاصلين على الجنسية الأردنية عبر الاستثمار 681 مستثمراً فقط خلال نحو ثماني سنوات، أي بمتوسط يقارب 85 مستثمراً سنوياً، وهو ما يؤكد أن المملكة لم تعتمد سياسة منح الجنسية على نطاق واسع، وإنما ربطتها بضوابط اقتصادية واستثمارية واضحة.
وأشار الحدب إلى أن أهمية هذه التعديلات تتضاعف في ظل الأداء الإيجابي الذي يشهده الاقتصاد الأردني، حيث ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نحو 2.024 مليار دولار خلال عام 2025، محققة نمواً نسبته 25.1% مقارنة بعام 2024، وهو أعلى مستوى تسجله المملكة منذ عام 2017. كما شكلت الاستثمارات العربية 61.3% من إجمالي هذه التدفقات، الأمر الذي يعكس تنامي ثقة المستثمرين بالاقتصاد الأردني، ويستدعي توجيه هذه التدفقات نحو القطاعات ذات القيمة المضافة الأعلى.
وأضاف الحدب أن الاقتصاد الأردني، الذي يقدر ناتجه المحلي الإجمالي بأكثر من 55 مليار دولار، يحتاج في المرحلة المقبلة إلى التركيز على جودة الاستثمار، وليس حجمه فقط، لأن الاستثمار الإنتاجي في الصناعة، والتكنولوجيا، والخدمات اللوجستية، والتعدين، والطاقة، والزراعة، يحقق أثراً مضاعفاً على النمو الاقتصادي، والصادرات، والتشغيل، مقارنة بالاستثمارات قصيرة الأجل أو منخفضة القيمة المضافة.
وأوضح الحدب أن من أبرز نقاط القوة في التعديلات الجديدة توحيد مرجعية ملف المستثمرين لدى وزارة الاستثمار، وهو ما يسهم في تسريع الإجراءات، وتقليل تداخل الاختصاصات، وتحسين تجربة المستثمر، ورفع كفاءة الخدمات الحكومية، وهي عوامل أصبحت تشكل جزءاً أساسياً من تنافسية الدول في جذب الاستثمار.
وأشار الحدب إلى أن جلسة مجلس الوزراء حملت رسالة اقتصادية متكاملة، إذ لم تقتصر على تحفيز المستثمر الجديد، بل شملت أيضاً تسوية 663 قضية عالقة بين مكلفين ودائرة ضريبة الدخل والمبيعات، وهو ما يعزز اليقين الضريبي، ويخفض كلف التقاضي، ويتيح للمستثمرين توجيه مواردهم نحو التوسع والإنتاج بدلاً من الانشغال بالنزاعات الضريبية، الأمر الذي يسهم في تحسين بيئة الأعمال وتعزيز الثقة بين القطاعين العام والخاص.
وأضاف الحدب أن نجاح الاقتصادات في استقطاب الاستثمار لم يعد يقاس بحجم الحوافز الممنوحة فقط، وإنما بقدرتها على توجيه هذه الحوافز نحو المشاريع التي ترفع الإنتاجية، وتنقل المعرفة، وتخلق فرص العمل، وتعزز الصادرات. ومن هنا، فإن ربط الجنسية والإقامة بالاستثمار المنتج والتشغيل يمثل انتقالاً من سياسة جذب رأس المال إلى سياسة بناء القيمة الاقتصادية المضافة.
واختتم الحدب بالتأكيد على أن نجاح هذه التعديلات لن يقاس بعدد المستثمرين الذين سيحصلون على الجنسية أو الإقامة، وإنما بحجم الاستثمارات الإنتاجية التي ستولدها، وعدد فرص العمل التي ستوفرها، ونسبة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، وقدرتها على تنشيط الاقتصاد في المحافظات، وزيادة الصادرات، وتعزيز تنافسية المملكة. وأضاف أن الاستثمار الحقيقي هو الذي يترك أثراً اقتصادياً مستداماً، وأن التعديلات الأخيرة تمثل خطوة متقدمة نحو بناء منظومة استثمارية أكثر كفاءة، تقوم على ربط الحوافز بالأثر الاقتصادي، وهو ما تحتاجه المملكة في المرحلة المقبلة لتعزيز النمو المستدام وتحقيق مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.
وأشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أن تعديل أسس منح الإقامة والجنسية للمستثمرين يعكس توجهاً حكومياً لتطوير أدوات جذب الاستثمار بما يتواءم مع المتغيرات الاقتصادية، ويبعث برسالة واضحة بأن الأردن يسعى إلى استقطاب استثمارات ذات قيمة مضافة، وليس مجرد استثمارات قصيرة الأجل.
وأضاف أن التعديلات التي وافق عليها مجلس الوزراء تعكس تحولاً في فلسفة الحكومة من منح الجنسية مقابل الاستثمار إلى منح الجنسية مقابل الأثر الاقتصادي الذي يحققه الاستثمار المعني. فالأسس الجديدة ربطت منح الجنسية بعدة معايير، أهمها الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وليس الأنشطة غير المولدة للقيمة المضافة.
وأضاف أيضاً: خلق فرص عمل حقيقية للأردنيين، والمحافظة على الاستثمار لعدة سنوات، وعدم السماح بالخروج السريع من الاستثمار. أضف إلى ذلك توجيه الاستثمارات إلى المحافظات عبر تخفيض الحد الأدنى للاستثمار خارج العاصمة، وكذلك منح وزارة الاستثمار المرجعية الموحدة، بما يعزز الحوكمة ويختصر الإجراءات.
ولفت إلى أن التعديلات تمتلك فرصة جيدة لتحقيق استقطاب الاستثمارات في المحافظات للأسباب التالية، ومنها تخفيض الحد الأدنى للاستثمار خارج العاصمة من خلال اشتراط 500 ألف دينار، مقابل 700 ألف دينار داخل العاصمة، والذي سيمنح المحافظات ميزة تنافسية واضحة، إضافة إلى انخفاض كلف الأراضي والتشغيل في المحافظات، الأمر الذي يرفع العائد المتوقع على الاستثمار.
وأضاف أن ربط منح الجنسية بتوفير فرص العمل سيجعل المستثمر يبحث عن المناطق التي توفر تكلفة تشغيل أقل، وهو ما يتوافر غالباً خارج العاصمة.
وذكر أن الأهم في هذه التعديلات هو ربط الحوافز الاستثمارية بالمشاريع الوطنية الاستراتيجية والاستثمار في المحافظات، وهو ما يعكس انتقال السياسة الاستثمارية من التركيز على حجم الاستثمار فقط إلى التركيز على أثره التنموي، سواء في خلق فرص العمل أو تنشيط الاقتصاد المحلي خارج العاصمة.
كما أضاف مخامرة بأن رفع الحد الأدنى للاستثمار في سوق عمان المالي إلى 1.5 مليون دينار، مع اشتراط تنويع الاستثمار وعدم تجاوز 10% في شركة واحدة، يسهم في تعزيز استقرار السوق المالي، ويحد من المضاربات أو تركز الاستثمارات، ويشجع على ضخ سيولة جديدة في السوق بدلاً من إعادة تدوير الاستثمارات القائمة.
وأشار إلى أن هذه التعديلات تتماشى بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، التي تركز على تحقيق تنمية أكثر توازناً بين المحافظات. ويتضح ذلك من خلال تخفيض متطلبات الاستثمار خارج العاصمة، وإعطاء الأفضلية للمشاريع الإنتاجية، والتركيز على التشغيل المحلي، وتشجيع المشاريع الصناعية والخدمية ذات القيمة المضافة، وتحفيز الاستثمار في مشاريع تنموية استراتيجية خارج نطاق العاصمة.
ولفت إلى أن الأردن يمتلك مزايا تنافسية لا تقل أهمية عن الحوافز المالية، مثل الاستقرار السياسي والأمني، والموقع الجغرافي، والكوادر البشرية المؤهلة، واتفاقيات التجارة الحرة مع أسواق رئيسية. لذلك فإن التحدي لا يكمن في زيادة الحوافز فقط، بل في تحويل هذه المزايا إلى قيمة اقتصادية يشعر بها المستثمر عند اتخاذ قراره.
كما أضاف مخامرة بأنه، على الرغم من أهمية هذه الحوافز، فإن قرار المستثمر لا يُبنى على حافز الجنسية أو الإقامة وحده، وإنما على منظومة متكاملة تشمل سرعة الإجراءات، واستقرار التشريعات، ووضوح السياسات، وتنافسية بيئة الأعمال. لذلك فإن هذه التعديلات تمثل خطوة إيجابية، لكن تعظيم أثرها يتطلب استمرار الإصلاحات الاقتصادية والإدارية، وتحسين مناخ الاستثمار بشكل متواصل.
وقال ممثل قطاع الألبسة والمحيكات في غرفة صناعة الأردن، المهندس إيهاب قادري، إن قرارات مجلس الوزراء الأخيرة تعكس استمرار النهج القائم على تعزيز جاذبية الاقتصاد الأردني ورفع كفاءة بيئة الأعمال، سواء من خلال تعديل أسس منح الإقامة والجنسية للمستثمرين، أو تسوية القضايا الضريبية العالقة، أو تحديث الهياكل الإدارية للمؤسسات الحكومية. ومن بين هذه القرارات، يبرز تعديل أسس منح الجنسية للمستثمرين كإشارة اقتصادية مهمة، لأنه يعكس تحولاً من مفهوم استقطاب رأس المال إلى مفهوم استقطاب الاستثمار ذي الأثر التنموي، خاصة في المحافظات.
وأضاف: فالمستثمر اليوم لا يُقاس فقط بحجم أمواله، بل بقدرته على خلق فرص العمل، ونقل المعرفة، وتعزيز الإنتاجية، والإسهام في تحقيق تنمية أكثر توازناً على مستوى المملكة.
وأشار إلى أن هذه الحزمة من القرارات تؤكد أن الأردن يواصل العمل على أكثر من مسار في الوقت ذاته: جذب الاستثمار، وتسوية الملفات العالقة مع القطاع الخاص، وتحديث الإدارة العامة، وهي عناصر تشكل مجتمعة أساساً مهماً لتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني.
وأضاف أن رفع متطلبات الحصول على الجنسية عبر الاستثمار في سوق عمان المالي يعكس حرص الدولة على الحفاظ على القيمة السيادية لهذا الامتياز، وربطه باستثمارات أكثر استدامة وجدية. وفي المحصلة، فإن أهمية هذه القرارات لا تكمن في كل إجراء على حدة، بل في الرسالة التي تحملها مجتمعة، ومفادها أن الأردن يسعى إلى بناء نموذج اقتصادي أكثر تنافسية، وأكثر قدرة على استقطاب الاستثمار النوعي، وأكثر ارتباطاً بالأثر الاقتصادي طويل الأمد.
خبراء: تعديلات «أسس منح الجنسية للمستثمرين» تدعم التنمية والتشغيل
11:25 15-7-2026
آخر تعديل :
الأربعاء