كتاب

السباق نحو ترسيخ الهوية اليهودية

لا يمكن النظر إلى الإعلان عن بناء 12 ألف وحدة استيطانية في مجلس مستوطنات الضفة الغربية، بمعزل عن الملفات الداخلية لاسرائيل، وفي مقدمتها الاحتجاجات في مدينة الطيبة واستمرار استبعاد الأحزاب العربية من أي ائتلاف حكومي محتمل.
فهذه القضايا، رغم اختلافها ظاهريا، إلا أنها تعكس توجها سياسيا واحدا يقوم على إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والسياسي بما يخدم رؤية اليمين الإسرائيلي المتشدد، وبما يهيء لتكريس الدولة اليهودية على ارض الواقع.
فالاتفاق الحكومي لتوسيع الاستيطان لا يقتصر على إضافة وحدات سكنية جديدة، بل يمثل استثمارا طويل الأمد في ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، من خلال تطوير البنية التحتية، وزيادة عدد المستوطنين، وربط المستوطنات بشبكات الطرق والخدمات، بما يجعل أي انسحاب مستقبلي أكثر صعوبة وتعقيدا ويقوض فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيا .
وفي المقابل، تبرز قضية الطيبة بوصفها الوجه الآخر لهذه السياسة، فالمشروع الاسرائيلي الرسمي الذي يهدد بمصادرة آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية واحتياطي التوسع العمراني في المدن العربية، يعكس استمرار الضغوط على المدن والقرى العربية داخل إسرائيل، سواء عبر تقليص مساحات التطوير أو فرض مشاريع بنية تحتية ذات آثار بيئية واقتصادية كبيرة. وهو ما يعزز شعور الفلسطينيين العرب في اسرائيل بأن سياسات التخطيط والأراضي لا تطبق بمعايير متساوية، بل تخدم أولويات الدولة في مناطق معينة على حساب احتياجات المدن والقرى العربية.
هذا المشهد، يتكامل مع البعد السياسي، والمتمثل في إعلان عدد من قادة المعارضة، وفي مقدمتهم نفتالي بينيت ويائير لبيد، رفضهم إشراك الأحزاب العربية في أي حكومة مقبلة، رغم أنهم ينتقدون سياسات حكومة نتنياهو. وهو ما عبرت عنه امس صحيفة 'هآرتس' التي تواجه حملة من رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو حاليا، في أن هذا الموقف يعمق تهميش الفلسطينيين العرب في الداخل، ويكرس استبعادهم من دوائر صنع القرار، بما يجعل الخلاف مع الحكومة لا يتعلق بمكانة العرب السياسية بقدر ما يتعلق بتركيبة الائتلافات.
أيضا يلاحظ تصاعد في حدة الانتقادات الداخلية لعنف المستوطنين، بعد حادثة الاعتداء على عضو في الكونغرس الأمريكي خلال زيارته جنوب الخليل، وتوجيه اتهامات للحكومة بتوفير غطاء سياسيا لهذه الاعتداءات، خصوصا أن جيش الاحتلال يركز على حماية المستوطنين أكثر من حماية الفلسطينيين. وهذا الطرح يعكس تنامي القلق داخل بعض الأوساط الإسرائيلية من التداعيات الدولية لتوسع عنف المستوطنين.
وتكشف هذه الملفات مجتمعة أن التنافس بين اليمين والمعارضة في إسرائيل لا يدور فقط حول إدارة الحرب أو الاقتصاد، بل أيضا حول شكل الدولة وهويتها نحو الاحادية ، مع وجود مساحة واسعة من التوافق بين معظم القوى الصهيونية على قضايا مثل توسيع الاستيطان، والحفاظ على أغلبية يهودية، وإبقاء الأحزاب العربية خارج مراكز التأثير السياسي.
وبذلك، الرسالة التي تعكسها الصحف الإسرائيلية واضحة في أن الحكومة تمضي في تثبيت الوقائع على الأرض في الضفة الغربية، بالتوازي مع إعادة رسم موازين القوة داخل إسرائيل نفسها، سواء من خلال إدارة ملف الأراضي في البلدات العربية أو الحد من مشاركة ممثليها في السلطة، وهو ما ينذر بتعميق الاستقطاب الداخلي، ويزيد من تعقيد أي تسوية سياسية مستقبلية على المستويين الداخلي والفلسطيني.
علاوة على ذلك، يتضح للمراقبين اتساع الخلافات بين الحكومة والأجهزة الأمنية والإعلام، عبر اتهامات متزايدة، بتغليب المصالح السياسية على اي اعتبارات اخرى، وهو ما يجعل الساحة الداخلية الاسرائيلية جزءا أساسيا من معادلة الأمن القومي الإسرائيلي، وليس مجرد انعكاس للتطورات الإقليمية.