اعتاد المواطن على متابعة مشهد يتكرر داخل جلسات مجلس النواب، يتمثل في مداخلات نيابية حادة اللهجة بشأن مشاريع القوانين، تتضمن توجيه انتقادات لاذعة لنصوصها وأحكامها، ومطالبات بردها أو سحبها، ثم تكون النتيجة النهائية قبول مشروع القانون بأغلبية الأصوات وإحالته إلى اللجان المختصة لاستكمال مناقشته. وهذا هو المشهد الذي تكرر قبل أيام أثناء مناقشة أعضاء مجلس النواب لمشروع قانون الإدارة المحلية الجديد، حيث شهدت الجلسة عشرات المداخلات الرافضة للمشروع والمطالبة بسحبه، إلا أن المجلس صوّت في نهاية المطاف على قبوله وإحالته إلى اللجنة الإدارية.
إن هذا التصرف المعتاد يثير تساؤلات دستورية مشروعة لدى الرأي العام تتعلق بسبب اختلاف موقف النواب بين مداخلاتهم الحادة على مشروع القانون وموقفهم النهائي عند التصويت عليه. فإذا كانت كلمات النواب أثناء جلسات المجلس لا تعد، من الناحية الدستورية، تعبيرا صريحا عن إرادتهم القانونية، والتي اشترط المشرع الدستوري التعبير عنها من خلال التصويت الصريح المباشر وفق أحكام الدستور والنظام الداخلي للمجلس، فإن ذلك لا يعني التقليل من قيمة النقاش البرلماني. فهو الأداة الدستورية التي يتم من خلالها الوقوف على إرادة المشرع وفهم مضامين النصوص القانونية، كما يمثل الوسيلة التي تمكّن النواب من كشف أوجه القصور في مشاريع القوانين واقتراح سبل معالجتها.
فإذا كان الموقف الحقيقي للنائب يقاس بما يصوت عليه عند اتخاذ القرار، وكان التصويت وحده هو الذي ينشئ الأثر القانوني ويحدد مصير مشروع القانون قبولا أو رفضا، فإن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن يتحول الخطاب النيابي إلى وسيلة استعراضية أمام الرأي العام، بحيث يتغير موقف النائب بعد نزوله عن المنصة وعند التصويت الجماعي على قبول مشروع القانون أو رفضه، الأمر الذي يضعف ثقة المواطنين بالعملية التشريعية، ويعزز الاعتقاد بأن بعض المواقف لا تتجاوز حدود الخطاب الإعلامي.
قد يتمسك بعضهم بفكرة أن التصويت على إحالة مشروع القانون إلى اللجنة المختصة لا يعني بالضرورة الاقتناع بأحكامه أو قبوله بصيغته الأولية المقترحة، وإنما يعكس الرغبة في منحه فرصة لإجراء تعديلات جوهرية عليه. وهذا صحيح من الناحية الإجرائية، لأن اللجان النيابية تملك صلاحيات واسعة في إعادة صياغة النصوص، وحذف بعض المواد، وإضافة مواد جديدة قبل إعادة المشروع إلى الهيئة العامة. غير أن هذا التفسير لا يكفي في الحالات التي يطالب فيها النواب برد المشروع أو سحبه نهائيا، ثم يصوتون بعد دقائق لمصلحة استمراره في المسار التشريعي، دون بيان الأسباب التي دفعتهم إلى تغيير مواقفهم المعلنة.
إن مواجهة هذه الظاهرة يمكن أن تتم من خلال وسائل عديدة، أهمها الحرص على بث جلسات مجلس النواب، بما يشمل المداخلات النيابية ونتيجة التصويت النهائي، على الموقع الإلكتروني للمجلس، بحيث يستطيع المواطن التعرف على موقف كل نائب من كل مشروع قانون ونتيجة تصويته النهائية. كما يمكن تعزيز الرقابة الإعلامية والشعبية على أداء مجلس النواب من خلال تتبع المداخلات النيابية ومدى اتساقها مع المواقف النهائية في عملية التصويت، إلى جانب تشجيع وسائل الإعلام على تطوير أساليب تغطيتها لأعمال المجلس، فلا يقتصر اهتمامها على نقل المداخلات الحماسية أو العبارات المثيرة، وإنما يمتد إلى إبراز نتائج التصويت وتحليلها.
إن هذه المقترحات لا تهدف إلى تقييد حرية النائب في التعبير عن رأيه أو في تعديل موقفه أثناء المناقشات، وإنما تسعى إلى تطوير العمل البرلماني وترسيخ طابعه المؤسسي، بحيث يكون الأصل هو اتساق موقف النائب، كما يُعبر عنه في نقاشه داخل المجلس وأمام الرأي العام، مع تصويته عند اتخاذ القرار، ما لم يثبت أن تغيير موقفه يستند إلى مبررات سياسية أو حزبية مشروعة يعلنها بشفافية.
إن الديمقراطية البرلمانية لا تقاس بارتفاع الأصوات تحت القبة، ولا بعدد الخطابات التي تلقى أثناء المناقشات النيابية، وإنما بمدى الاتساق بين ما يعلنه النائب من مواقف وما يصوت عليه عند اتخاذ القرار النهائي. فإذا كانت الكلمات تُعبر عن موقف سياسي، فإن التصويت هو الذي ينشئ الإرادة الدستورية الملزمة ويحدد مصير مشروع القانون.
ومن ثم، فإن الأصل أن ينسجم موقف النائب المعلن مع تصويته، وألا يكون العدول عنه إلا لأسباب موضوعية تفرضها مجريات النقاش أو التوافقات السياسية المشروعة، مع إعلانها للرأي العام. فالمواطن لا يمنح صوته للنائب ليستمع إلى خطاباته، وإنما ليعرف كيف استخدم صوته عند اتخاذ القرار. ولذلك، يبقى التصويت التعبير الدستوري الحقيقي عن إرادة النائب، والمعيار الذي تبنى عليه الثقة بين الناخب وممثله، والذي يفترض أن يجسد المواقف التي أعلنها النائب في مداخلاته، لا أن ينفصل عنها دون مبرر واضح أو سبب مشروع.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com
إن هذا التصرف المعتاد يثير تساؤلات دستورية مشروعة لدى الرأي العام تتعلق بسبب اختلاف موقف النواب بين مداخلاتهم الحادة على مشروع القانون وموقفهم النهائي عند التصويت عليه. فإذا كانت كلمات النواب أثناء جلسات المجلس لا تعد، من الناحية الدستورية، تعبيرا صريحا عن إرادتهم القانونية، والتي اشترط المشرع الدستوري التعبير عنها من خلال التصويت الصريح المباشر وفق أحكام الدستور والنظام الداخلي للمجلس، فإن ذلك لا يعني التقليل من قيمة النقاش البرلماني. فهو الأداة الدستورية التي يتم من خلالها الوقوف على إرادة المشرع وفهم مضامين النصوص القانونية، كما يمثل الوسيلة التي تمكّن النواب من كشف أوجه القصور في مشاريع القوانين واقتراح سبل معالجتها.
فإذا كان الموقف الحقيقي للنائب يقاس بما يصوت عليه عند اتخاذ القرار، وكان التصويت وحده هو الذي ينشئ الأثر القانوني ويحدد مصير مشروع القانون قبولا أو رفضا، فإن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن يتحول الخطاب النيابي إلى وسيلة استعراضية أمام الرأي العام، بحيث يتغير موقف النائب بعد نزوله عن المنصة وعند التصويت الجماعي على قبول مشروع القانون أو رفضه، الأمر الذي يضعف ثقة المواطنين بالعملية التشريعية، ويعزز الاعتقاد بأن بعض المواقف لا تتجاوز حدود الخطاب الإعلامي.
قد يتمسك بعضهم بفكرة أن التصويت على إحالة مشروع القانون إلى اللجنة المختصة لا يعني بالضرورة الاقتناع بأحكامه أو قبوله بصيغته الأولية المقترحة، وإنما يعكس الرغبة في منحه فرصة لإجراء تعديلات جوهرية عليه. وهذا صحيح من الناحية الإجرائية، لأن اللجان النيابية تملك صلاحيات واسعة في إعادة صياغة النصوص، وحذف بعض المواد، وإضافة مواد جديدة قبل إعادة المشروع إلى الهيئة العامة. غير أن هذا التفسير لا يكفي في الحالات التي يطالب فيها النواب برد المشروع أو سحبه نهائيا، ثم يصوتون بعد دقائق لمصلحة استمراره في المسار التشريعي، دون بيان الأسباب التي دفعتهم إلى تغيير مواقفهم المعلنة.
إن مواجهة هذه الظاهرة يمكن أن تتم من خلال وسائل عديدة، أهمها الحرص على بث جلسات مجلس النواب، بما يشمل المداخلات النيابية ونتيجة التصويت النهائي، على الموقع الإلكتروني للمجلس، بحيث يستطيع المواطن التعرف على موقف كل نائب من كل مشروع قانون ونتيجة تصويته النهائية. كما يمكن تعزيز الرقابة الإعلامية والشعبية على أداء مجلس النواب من خلال تتبع المداخلات النيابية ومدى اتساقها مع المواقف النهائية في عملية التصويت، إلى جانب تشجيع وسائل الإعلام على تطوير أساليب تغطيتها لأعمال المجلس، فلا يقتصر اهتمامها على نقل المداخلات الحماسية أو العبارات المثيرة، وإنما يمتد إلى إبراز نتائج التصويت وتحليلها.
إن هذه المقترحات لا تهدف إلى تقييد حرية النائب في التعبير عن رأيه أو في تعديل موقفه أثناء المناقشات، وإنما تسعى إلى تطوير العمل البرلماني وترسيخ طابعه المؤسسي، بحيث يكون الأصل هو اتساق موقف النائب، كما يُعبر عنه في نقاشه داخل المجلس وأمام الرأي العام، مع تصويته عند اتخاذ القرار، ما لم يثبت أن تغيير موقفه يستند إلى مبررات سياسية أو حزبية مشروعة يعلنها بشفافية.
إن الديمقراطية البرلمانية لا تقاس بارتفاع الأصوات تحت القبة، ولا بعدد الخطابات التي تلقى أثناء المناقشات النيابية، وإنما بمدى الاتساق بين ما يعلنه النائب من مواقف وما يصوت عليه عند اتخاذ القرار النهائي. فإذا كانت الكلمات تُعبر عن موقف سياسي، فإن التصويت هو الذي ينشئ الإرادة الدستورية الملزمة ويحدد مصير مشروع القانون.
ومن ثم، فإن الأصل أن ينسجم موقف النائب المعلن مع تصويته، وألا يكون العدول عنه إلا لأسباب موضوعية تفرضها مجريات النقاش أو التوافقات السياسية المشروعة، مع إعلانها للرأي العام. فالمواطن لا يمنح صوته للنائب ليستمع إلى خطاباته، وإنما ليعرف كيف استخدم صوته عند اتخاذ القرار. ولذلك، يبقى التصويت التعبير الدستوري الحقيقي عن إرادة النائب، والمعيار الذي تبنى عليه الثقة بين الناخب وممثله، والذي يفترض أن يجسد المواقف التي أعلنها النائب في مداخلاته، لا أن ينفصل عنها دون مبرر واضح أو سبب مشروع.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com