اقتصاديون: نقل البلديات من الدور الخدمي إلى التنموي
أجمع خبراء اقتصاديون على أن مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 يمثل خطوة إصلاحية تتجاوز تحديث التشريعات البلدية، ليؤسس لمرحلة جديدة من الإدارة المحلية القائمة على الحوكمة والشفافية والكفاءة.
ولفت الخبراء، في أحاديث لـ(الرأي)، إلى أن أبرز الجوانب الاقتصادية في هذا المشروع تتمثل في التركيز على تمكين البلديات من أداء دور تنموي واستثماري، وهو ما يفتح المجال أمام استقطاب استثمارات محلية وخارجية، وتطوير مشاريع إنتاجية بالشراكة مع القطاع الخاص، مما يسهم في خلق فرص عمل، ويعزز النشاط الاقتصادي في مختلف المحافظات، ويحد من التفاوت التنموي بينها.
ونشرت وزارة الاتصال الحكومي أبرز ملامح مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، الذي وافق مجلس النواب، بالأغلبية، على إحالته إلى اللجنة الإدارية النيابية لمناقشته.
ويهدف المشروع إلى تعزيز حوكمة الإدارة المحلية، وتحسين جودة الخدمات، وتوسيع المشاركة المجتمعية، وتمكين البلديات من أداء دور تنموي واستثماري يسهم في تحفيز الاقتصاد المحلي في المحافظات.
كما يحدد المشروع الأدوار والمسؤوليات بين المجلس البلدي والجهاز التنفيذي، بما يمنع تداخل الصلاحيات ويعزز المساءلة والرقابة، مع الإبقاء على الانتخاب المباشر والسري لرئيس المجلس البلدي وأعضائه.
ويسهم المشروع في تعزيز التخطيط التنموي والاستثماري، من خلال تمثيل الجهات المنتخبة والمناطق الأقل تنمية، وضمان تمثيل مختلف المناطق الجغرافية، بما يحقق توزيعًا أكثر عدالة للمشاريع والفرص التنموية.
ويتضمن المشروع تعزيز الأتمتة والتحول الرقمي، وإلزام الإدارة التنفيذية بتقديم تقارير دورية عن الأداء المالي والإداري والمشاريع، ونشرها عبر المنصات الرسمية، بما يعزز الشفافية وثقة المواطنين.
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن مشروع قانون الإدارة المحلية يعد أحد أهم المشاريع المؤسسة للحكم المحلي، بمستوياته الخدمية والإدارية والاستثمارية والاقتصادية، وفي علاقته بالحكومة، والكيفية التي يلعب بها دوره الاقتصادي.
وأضاف أن المشروع يجعل البلديات قادرة على أداء دورها الاستثماري، بما يسمح لها بالتوسع أفقيًا وعموديًا، ويضمن لها مزيدًا من الاستدامة والحضور.
وأشار عايش إلى أن مشروع القانون بحاجة إلى دراسة أعمق للدور الاقتصادي الذي يمكن أن يؤديه، من خلال إقامة علاقة أكثر تكافؤًا بين الحكم المحلي والحكومة.
ولفت إلى أن الحكم المحلي بحاجة إلى مزيد من الاستقلالية في إدارة شؤونه المالية، مع وجود رقابة حكومية أفضل وأكثر كفاءة، لتوجيه الإنفاق نحو الخدمات ذات العائد المجتمعي، ومن جهة أخرى نحو المشاريع ذات العائد الاستثماري.
وأشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أن مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 يمثل خطوة إصلاحية تتجاوز الجانب الإداري لعمل المجالس البلدية، ليكون أداة اقتصادية مهمة تهدف إلى تنشيط التنمية الاقتصادية في المحافظات، وتعزيز مساهمة البلديات في عملية النمو الاقتصادي المحلي.
وأضاف أن نجاح التنمية الاقتصادية لا يعتمد فقط على السياسات المركزية، وإنما يعتمد أيضًا على وجود إدارات محلية تمتلك صلاحيات واضحة، وحوكمة فعالة، وقدرة على التخطيط والاستثمار.
كما لفت مخامرة إلى أن أبرز الجوانب الاقتصادية في هذا المشروع تتمثل في التركيز على تمكين البلديات من أداء دور تنموي واستثماري، وهو ما يفتح المجال أمام استقطاب استثمارات محلية وخارجية، وتطوير مشاريع إنتاجية بالشراكة مع القطاع الخاص، مما يسهم في خلق فرص عمل، ويعزز النشاط الاقتصادي في مختلف المحافظات، ويحد من التفاوت التنموي بينها.
وأشار مخامرة إلى أن تحديد الصلاحيات بين المجالس المنتخبة والجهاز التنفيذي يعد عاملًا مهمًا في تحسين كفاءة اتخاذ القرار، وتسريع تنفيذ المشاريع، وتقليل التعقيدات الإدارية التي كانت تؤثر في إنجاز المشاريع التنموية والاستثمارية، الأمر الذي سينعكس إيجابًا على بيئة الأعمال المحلية.
كما أوضح مخامرة أن تعزيز الأتمتة والشفافية والإفصاح الدوري عن الأداء المالي والإداري يسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام، وتحسين إدارة الموارد البلدية، والحد من الهدر المالي، إضافة إلى تعزيز ثقة المستثمرين والمواطنين على حد سواء، وهو عنصر أساسي في أي بيئة اقتصادية جاذبة للاستثمار.
وختم مخامرة بالتأكيد على أنه إذا ما اقترن هذا القانون بإصلاحات في منظومة تمويل البلديات، وبناء القدرات المؤسسية، ومنح البلديات أدوات مالية واستثمارية أكثر مرونة، فإنه يمكن أن يشكل نقطة تحول في التنمية الاقتصادية المحلية، وينقل البلديات من دورها التقليدي كمقدم للخدمات إلى شريك رئيسي في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام، وزيادة التنافسية بين المحافظات، بما يتماشى مع رؤية التحديث الاقتصادي وأهداف التنمية التي يسعى إليها الأردن.
وأكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 يمثل خطوة إصلاحية تتجاوز تحديث التشريعات البلدية، ليؤسس لمرحلة جديدة من الإدارة المحلية القائمة على الحوكمة والشفافية والكفاءة، مشيرًا إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن التنمية الاقتصادية المستدامة تبدأ من حكومات محلية قوية، قادرة على التخطيط، وجذب الاستثمار، وتحسين جودة الخدمات، وإدارة الموارد بكفاءة.
وأوضح الحدب أن أهمية المشروع لا تكمن فقط في إعادة تنظيم العلاقة بين المجالس البلدية والجهاز التنفيذي، وإنما في ترسيخ مبدأ الفصل بين رسم السياسات والتنفيذ، بما يعزز المساءلة ويمنع تداخل الصلاحيات، وهو ما يعد من أهم أسس الحوكمة الحديثة التي تعتمدها المؤسسات الدولية في تقييم كفاءة الإدارة العامة وجودة المؤسسات.
وأشار الحدب إلى أن أهمية هذا الإصلاح تتضاعف في ظل التحديات المالية التي تواجه البلديات الأردنية، إذ تجاوزت مديونيتها الإجمالية 630 مليون دينار، فيما بلغت الالتزامات المستحقة لصالح البنوك وشركات الإيداع نحو 806 ملايين دينار بنهاية عام 2023، وهو ما يعكس الحاجة إلى تطوير نموذج الإدارة المحلية، بحيث لا يقتصر دور البلديات على تقديم الخدمات، وإنما يمتد إلى تحسين الإدارة المالية، وتنمية الإيرادات الذاتية، ورفع كفاءة الإنفاق، وتقليل الاعتماد على الاقتراض.
وأضاف الحدب أن أحد أهم جوانب القوة في مشروع القانون يتمثل في إعادة تعريف دور البلديات كمؤسسات تنموية، وليس مجرد جهات خدمية، إذ يمنحها دورًا أكبر في التخطيط التنموي والاستثماري، بما يتيح لكل محافظة استثمار ميزاتها النسبية في قطاعات السياحة، والزراعة، والصناعة، والتعدين، والخدمات، وهو ما يسهم في تحفيز الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل جديدة، وتقليل الفجوة التنموية بين المحافظات.
وأكد الحدب أن المستفيد الأول من هذه الإصلاحات سيكون المواطن، إذ إن وضوح الصلاحيات وتعزيز المساءلة سيسهمان في تسريع تنفيذ المشاريع الخدمية، وتحسين خدمات النظافة، وصيانة الطرق، والإنارة، والحدائق، وإصدار التراخيص، وتقليص البيروقراطية، بما ينعكس مباشرة على جودة الحياة ورفع مستوى رضا المواطنين عن الخدمات البلدية.
ولفت الحدب إلى أن المشروع يحمل بعدًا اقتصاديًا مهمًا يتمثل في رفع كفاءة الإنفاق البلدي، خصوصًا في ظل اختلال هيكل النفقات في العديد من البلديات، حيث استحوذت الرواتب والأجور في بلديات الفئة الأولى على نحو 65% من إجمالي النفقات، مقابل انخفاض الإنفاق الرأسمالي إلى نحو 7% فقط. وأوضح أن تطبيق مبادئ الحوكمة، وتعزيز الرقابة، ورفع كفاءة الإدارة، سيسهم في إعادة توجيه الموارد نحو مشاريع البنية التحتية والخدمات والاستثمار، بدلًا من استنزافها في النفقات التشغيلية.
وأشار الحدب إلى أن المشروع يعزز كذلك التحول الرقمي، من خلال إلزام الإدارات التنفيذية بنشر تقارير دورية عن الأداء المالي والإداري والمشاريع عبر المنصات الرسمية، مؤكدًا أن هذا التوجه يرفع مستوى الشفافية، ويعزز الرقابة المجتمعية، ويزيد ثقة المواطنين والمستثمرين بأداء البلديات، فضلًا عن مساهمته في تسريع الإجراءات وخفض الكلف الإدارية.
وأضاف الحدب أن التجارب الدولية تؤكد أن الحكومات المحلية أصبحت شريكًا رئيسيًا في التنمية الاقتصادية، إذ تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الإدارات المحلية تدير في العديد من الدول ما يقارب 40% من الإنفاق العام، ونحو 60% من الاستثمارات العامة، وهو ما يبرز أهمية تمكين البلديات من أداء دور أكبر في جذب الاستثمار وتحفيز النشاط الاقتصادي المحلي.
وأوضح الحدب أن المستثمر اليوم لا يقيم بيئة الأعمال من خلال القوانين الوطنية فقط، بل من خلال جودة الخدمات المحلية، وسرعة إصدار التراخيص، وكفاءة البنية التحتية، ووضوح الإجراءات على مستوى البلديات. ولذلك، فإن تطوير الإدارة المحلية يمثل أحد العوامل الأساسية لتحسين تنافسية المحافظات، واستقطاب المشاريع الجديدة، وزيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وأكد الحدب أن الحكومة، برئاسة الدكتور جعفر حسان، تتعامل مع الإصلاح الإداري باعتباره جزءًا أساسيًا من الإصلاح الاقتصادي، وهو ما يتجسد في هذا المشروع الذي يربط بين الحوكمة، والتحول الرقمي، والتنمية المحلية، وتعزيز الاستثمار، مؤكدًا أن هذا النهج يعكس فهمًا متقدمًا للعلاقة بين جودة الإدارة العامة والنمو الاقتصادي المستدام.
وأضاف الحدب أن مشروع القانون ينسجم بصورة مباشرة مع رؤية التحديث الاقتصادي، التي جعلت تمكين المحافظات، وتحسين بيئة الأعمال، ورفع كفاءة الإدارة العامة، وتعزيز التنمية المحلية، من أولويات المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أن تحقيق معدلات نمو أعلى يتطلب أن تتحول المحافظات إلى مراكز إنتاج واستثمار، لا أن تبقى معتمدة على التحويلات المالية من الحكومة المركزية.
واختتم الحدب بالتأكيد على أن نجاح مشروع قانون الإدارة المحلية لن يقاس بعدد مواده أو بالتعديلات التشريعية التي يتضمنها، وإنما بقدرته على تحويل البلديات من مؤسسات تستهلك الموارد إلى مؤسسات تصنع التنمية. وأضاف أن البلديات في الاقتصادات الحديثة لم تعد تقاس بعدد رخص البناء التي تصدرها أو المعاملات التي تنجزها، وإنما بقدرتها على جذب الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتحسين جودة الحياة، وإدارة المال العام بكفاءة وشفافية، وهو ما يمثل جوهر الإصلاح الذي يحتاجه الأردن في المرحلة المقبلة.