عربي ودولي

لماذا اتجهت واشنطن إلى الحرب مع طهران؟

كشف كتاب «تغير النظام» (Regime Change) للصحفيين جوناثان سوان وماغي هابيرمان من صحيفة نيويورك تايمز، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استخدم مسار المفاوضات مع إيران عبر الوسطاء، بالتزامن مع استمرار التحضيرات لعملية عسكرية، في إطار ما وصفه الكتاب بأنه محاولة لإبقاء الخيارات مفتوحة حتى اللحظات الأخيرة.

ويطرح الكتاب تساؤلات حول أسباب مضي ترامب في الخيار العسكري رغم استمرار المفاوضات، في ظل ما أُثير عن وجود خلافات بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب ادعاءات مرتبطة بملفات جيفري إبستين.

وبحسب ما ورد في الكتاب، واصل مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، المفاوضات مع مسؤولين إيرانيين في سلطنة عُمان وسويسرا حتى الأيام الأخيرة التي سبقت الهجوم.

وتضمن أحد المقترحات الأمريكية تقديم وقود نووي مجاني للبرنامج المدني الإيراني مدى الحياة، باعتباره اختباراً لتحديد ما إذا كان تخصيب إيران يهدف إلى إنتاج الطاقة أم تطوير قدرات عسكرية.

وأشار الكتاب إلى أن ويتكوف وكوشنر توصلا إلى قناعة بأن الجانب الإيراني كان يستخدم المفاوضات لكسب الوقت أملاً في تجاوز فترة رئاسة ترامب، وهو ما شكّل عاملاً رئيسياً في اقتناع الرئيس الأمريكي بأن المسار الدبلوماسي لم يعد قادراً على تحقيق نتائج.

وفيما يتعلق بملفات جيفري إبستين، أشارت تقارير إلى أن وزارة العدل الأمريكية نشرت في كانون الثاني 2026 ملايين الصفحات من الوثائق المتعلقة بالقضية، استناداً إلى قانون أقره الكونغرس.

وتضمنت الملفات مذكرة تعود إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) عام 2020، تستند إلى مصدر بشري سري، تضمنت ادعاءات حول علاقة إبستين بجهات استخباراتية أجنبية، من بينها ادعاء بأنه كان على صلة بالموساد الإسرائيلي.

ووفقاً للمذكرة، أشار المصدر إلى اعتقاده بأن إبستين كان عميلاً للموساد، وربط بينه وبين شخصيات إسرائيلية، من بينها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك.

كما تضمنت المذكرة ادعاءات بشأن دور جاريد كوشنر وعلاقته بجماعة «حباد» اليهودية، وذهبت إلى حد الزعم بأن كوشنر كان صاحب تأثير كبير في إدارة ترامب.

وأكدت وزارة العدل الأمريكية أن جزءاً من المواد المنشورة يستند إلى تقارير استخباراتية، فيما رفض البيت الأبيض هذه الادعاءات، ولم يقدم ما يثبت صحتها.

وبشأن العلاقة بين ترامب ونتنياهو، أظهرت المعطيات الواردة في الكتاب أن رئيس الوزراء الإسرائيلي مارس ضغوطاً باتجاه اتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه إيران، إلا أن ترامب لم يتبنَّ جميع مقترحاته، ولا سيما ما يتعلق بتغيير النظام الإيراني.

ونقل الكتاب أن مسؤولين في إدارة ترامب وصفوا بعض مقترحات نتنياهو بأنها غير واقعية، فيما اعتبر ترامب أن مسألة تغيير النظام تخص أطرافاً أخرى.

وأشار الكتاب إلى أن ترامب طمأن عدداً من معارضيه لفكرة الحرب، ومن بينهم المعلق السياسي تاكر كارلسون ورجل الأعمال إيلون ماسك، خلال اجتماع في المكتب البيضاوي، مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تدخل حرباً مع إيران.

ونقل عن كارلسون تحذيره من أن حرباً جديدة قد تكون العامل الذي يضر برئاسة ترامب، رغم أن الإدارة مضت لاحقاً في تنفيذ الخيار العسكري.

وتناول الكتاب تداعيات العمليات العسكرية والخسائر المرتبطة بها، مشيراً إلى أن الهجمات امتدت آثارها إلى دول في المنطقة لم تكن طرفاً مباشراً في المواجهة، وأدت إلى اضطرابات في حركة الطيران والملاحة، وارتفاع أسعار الطاقة، إضافة إلى خسائر بشرية كبيرة.

وفي تفسير أسباب اتخاذ القرار العسكري، أشار الكتاب إلى أن ترامب أبلغ مستشاريه بأنه كان يشعر بوجود فرصة للتحرك العسكري، وأنه أراد «محو النظام ومعرفة التفاصيل لاحقاً»، ما يعكس مزيجاً من الاعتبارات الشخصية والاستراتيجية في اتخاذ القرار.

ويرى التقرير أن الضغط الإسرائيلي كان عاملاً مؤثراً في مسار الأحداث، لكنه لا يثبت وجود سيطرة إسرائيلية على قرارات ترامب، إذ تظهر الوقائع أن الرئيس الأمريكي احتفظ بموقف مستقل تجاه بعض المقترحات الإسرائيلية، خصوصاً فيما يتعلق بتغيير النظام.

ويلفت التقرير إلى أن الربط بين الحرب وملفات إبستين يبقى ضمن إطار الادعاءات غير المثبتة، إذ لا توجد أدلة موثقة تؤكد أن هذه الملفات كانت سبباً في اتخاذ القرار العسكري.

ونقل عن النائب الأمريكي توماس ماسي قوله إن «قصف دولة في الجانب الآخر من العالم لن يجعل ملفات إبستين تختفي».

وبحسب الكتاب والتحليلات المرتبطة به، فإن قرار الحرب جاء نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، شملت قناعة ترامب بجدوى الخيار العسكري، وتقييم فريقه بأن المفاوضات لم تحقق تقدماً حقيقياً، والضغوط الإقليمية، إلى جانب اعتبارات أمنية واستراتيجية.

ويخلص التقرير إلى أن الوثائق والتقارير المتاحة تقدم صورة لرئيس اتخذ قراراً عسكرياً معقداً بناءً على تقديرات سياسية وأمنية، فيما تبقى نظريات «الابتزاز الإسرائيلي» ضمن دائرة الادعاءات التي لم تثبتها الأدلة المتاحة.