كتاب

قرار تقييد الإجازات بدون راتب

في خطوة تهدف ظاهرياً إلى ترشيق الإدارة العامة، أصدرت الحكومة السابقة قراراً يقضي بتقييد الإجازة بدون راتب للموظفين بخمس سنوات فقط، ضمن نظام إدارة الموارد البشرية للقطاع العام. قرارٌ قد يبدو تنظيمياً، لكنه يحمل في طياته تداعيات اقتصادية واجتماعية عميقة تهدد الاستقرار الوطني.
من منظور إدارة الموارد البشرية، يواجه الأردن اليوم تحدياً كبيراً يتمثل في وجود نحو نصف مليون جامعي عاطل عن العمل. في ظل هذه الأرقام، كان يُنظر إلى الإجازة بدون راتب كآلية فعالة لتحفيز الموظفين على البحث عن فرص عمل خارج المملكة، مما يفتح المجال أمام الشباب العاطلين لشغل هذه الشواغر. إن عودة الموظفين الأصليين ستؤدي حتماً إلى إنهاء خدمات آلاف العاملين بنظام التعليم الإضافي والمياومة، محولةً الأردن من مُصدّر للكفاءات إلى مُصدّر للبطالة داخلياً.
اقتصادياً، يُعد قطاع المغتربين رافداً حيوياً للاقتصاد الوطني، حيث تتجاوز حوالاتهم المالية 1.5 مليار دينار أردني سنوياً. وبحسبة بسيطة، فإن عودة 8000 موظف قد تكبد الاقتصاد الوطني خسارة تقدر بـ 80 مليون دينار سنوياً من الحوالات، بالإضافة إلى عبء إضافي على خزينة المملكة يقدر بـ 48 مليون دينار سنوياً لتغطية رواتبهم. هذا فضلاً عن الأثر السلبي على قطاعات حيوية كالعقارات والسياحة الداخلية وحركة الأسواق.
لا تقتصر التداعيات على الجانب الاقتصادي، بل تمتد لتطال النسيج الاجتماعي. فالقرار يهدد بتشتت الأسر، وتفاقم الأعباء المالية على المغتربين الذين خططوا لمستقبلهم بناءً على دخلهم الخارجي، مما قد يدفعهم إلى الإفلاس وتراكم الديون. كما ستشكل عودة الآلاف ضغطاً هائلاً على البنية التحتية والمرافق العامة، وتهدد المستقبل الدراسي للأبناء بسبب اختلاف الأنظمة التعليمية.
لطالما افتخر الأردن بكفاءاته التي أثبتت جدارتها في مختلف المجالات بالخارج. إن إجبار هذه الكفاءات على العودة سيؤثر سلباً على سمعة الأردن كوجهة للكفاءات، وقد يدفع الشركات الأجنبية للبحث عن بدائل من دول أخرى تقدم حوافز لمغتربيها. لذا، فإن المصلحة الوطنية العليا تقتضي إعادة النظر في هذا القرار، وفتح الإجازة بدون راتب دون قيود زمنية، لضمان استمرارية دوران عجلة الاقتصاد وحماية الاستقرار المالي والاجتماعي لآلاف الأسر الأردنية.