كتاب

ماذا لو طال أمد المواجهات بين واشنطن وطهران؟

منذ توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وبحسب بيانات القوات المسلحة الأردنية، استُهدفت أراضي المملكة بأكثر من عشرة صواريخ إيرانية ضمن المحاولات المتكررة لتوسيع مساحة حربها مع واشنطن، وتحت تأثير اعتقاد غريب بأن ذلك يخفف عنها الضغط أو يحسن ظرفها التفاوضي مع إدارة الرئيس ترامب.
المُلفت أن القطع العسكرية الأمريكية تقع على مسافة عشرات الكيلومترات من الشواطئ الإيرانية، ومع ذلك تختار طهران دولًا بعيدة بحجة ضرب الوجود الأمريكي في تلك الدول. ولو قبلنا جدلًا بهذا المعيار (معيار تواجد الجيش الأمريكي)، لكانت تركيا وأرمينيا وأذربيجان وتركمانستان وباكستان تحت القصف الصاروخي أيضًا، لكن هذا لم يحدث. إذًا، لنتفق أن هناك انتقائية في الاستهداف ومحاولة لحفظ ماء الوجه باستهداف دول معينة تدّعي طهران أنها تساهم في عمليات القصف ضدها.
يدرك النظام في طهران أن له جمهورًا مخدّرًا فكريًا، سواء كان من الإيرانيين أو من أبناء منطقتنا المقتنعين بأن إيران ترغب فعلًا في تحرير فلسطين، دون الالتفات إلى مبادئ الجيوسياسة التي تقول إن إيران لا تربح من تحرير فلسطين، ولا تخسر من احتلال ما تبقى منها.
البروباغندا الإيرانية الموجهة إلى البسيط من العقول تعرّف الأردن كالتالي: أولًا، دولة تحوي قواعد أمريكية، وهذا غير صحيح أردنيًا؛ لأن هناك فرقًا كبيرًا بين وجود علاقات عسكرية مع واشنطن، كغالبية دول العالم، ووجود قواعد عسكرية. ثانيًا، الأردن هو من يمنع تحرير فلسطين، ولولاه لصلى خامنئي في القدس غدًا! وهذا تفنيده بسيط عبر مراجعة مبادئ الجغرافيا وقائمة الحروب والمعارك التي خاضها الجيش الأردني ضد الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1948، والتي ارتقى خلالها آلاف الشهداء الأردنيين، دعك من المواقف الأردنية الداعمة لصمود الشعب الفلسطيني، لا توريطهم في مواجهات مع آلة الحرب الإسرائيلية وتركهم عرضة للتهجير.
الخطير في المشهد هو أن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة قد تستمر لفترة طويلة حسب المعطيات الحالية، بالتالي فإن الاكتفاء بصد الهجمات والالتزام بالتعامل السياسي قد لا يكفي، إذ لا بد من اتخاذ إجراءات ترفع على طهران تكلفة الاعتداء، وتحت جميع العناوين المتاحة، ضمن تحرك عربي موحد لا يستبعد الرد العسكري، بل يضعه في قمة الأولويات.
أما داخل الأردن، واستعدادًا لسيناريو المواجهة الطويلة، فأعتقد أننا بحاجة إلى ضبط الخارطة السياسية أولًا، ومعالجة التيارات المتخادمة مع سلوك إيران، مع تقوية رواية الدولة الأردنية -وهي رواية حق بالمناسبة- والتي تحتاج إلى أدوات وأساليب للوصول إلى الجميع.
إن تغيير البيئة السياسية في المنطقة بحيث تصبح بيئة اتفاق وتحالف ضد الأخطار المتوقعة هو الخيار الأصح لمواجهة تقلبات المنطقة، وانخفاض الموثوقية السياسية الأمريكية، وعمليات ظهور واختفاء لاعبين إقليميين في المنطقة.