محليات

مزرعة السوسنة السوداء .. إعلام ومنصات تواصل يُغيِّبون حقَّ الجمهور بالمعرفة ويبتعدون عن حماية المصلحة العامة وتطبيق القانون

انزلقت وسائل إعلام محلية وحسابات مشتركين على منصات التواصل الاجتماعي بمخالفات مهنية عميقة خلال تغطيتهم لقضية مزرعة 'السوسنة السوداء'، وقاموا باجتزاء المعلومات ونقلها لجمهور المتلقين وتسببوا باضطراب معلومات حرموا الجمهور من خلاله من حقه بالمعرفة الكاملة للحقيقة دون اجتزاء وابتعدوا عن المصلحة العامة في مثل هذه القضايا والتشكيك بتطبيق القوانين والأنظمة.

وتابع مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) تغطية وتفاعل وسائل الإعلام وناشطين على منصات التواصل الاجتماعي لحادثة قيام وزارة الزراعة بتطبيق القانون على مزرعة السوسنة السوداء واغلاقها احترازيا حتى تصويب أوضاعها وبقاء استدامة عمل الكوادر الإدارية فيها لحماية الكائنات الحية ومنع نفوقها.

وتبين للمرصد أنَّ وسائل إعلام عديدة وحسابات مشتركين على منصات التواصل الاجتماعي قاموا باجتزاء معلومات محددة تخدم طرفًا واحدًا في القضية وواصلوا نشرها وبث المعلومات المغلوطة، رغم أن معايير النشر المهنية التي تنطبق على كل من يبث المعلومات خدمة للعامة تلزمهم بأن يتم نشر المعلومات لكافة أطراف القضية بتوازن وحياد وموضوعية وهذا يحقق حق الجمهور بالمعرفة ويحمي المصلحة العامة ويعزز حماية حقوق الحيوان وتطبيق القوانين.

ووجد (أكيد) أنَّ عددا من المشتركين على منصات التواصل الاجتماعي مارس التضليل بشكل كبير في تغطية أحداث المزرعة واعتمد اسلوب الشعبويات في النشر وقدَّم معلومات غير مكتملة، ونشر عناوين عديدة تبين جانبًا وادا في القضية ومن بينها أن القضاء انتصر لمالك مزرعة السوسنة السوداء، رغم أن القرار القضائي جاء ليحقق المصلحة العامة أولا بإعادة فتح المزرعة ووضع كفالة عدلية على مالك المزرعة بقيمة خمسة آلاف دينار لحين تصويب المخالفات التي وجدتها وزارة الزراعة.

و تحولت قضية مزرعة 'السوسنة السوداء' الواقعة في منطقة ناعور جنوب غربي العاصمة عمّان، خلال أيام قليلة من قضية محلية تتعلق بإجراءات إدارية اتخذتها وزارة الزراعة إلى قضية رأي عام حظيت باهتمام واسع من وسائل الإعلام المحلية، وامتد صداها إلى وسائل إعلام إقليمية، في ظل تسارع التطورات التي بدأت بقرار إغلاق المزرعة، مرورًا بردود وزارة الزراعة ومالكها، وانتهاءً بصدور قرار مستعجل عن المحكمة الإدارية يقضي بإلغاء قرار الإغلاق وإعادة فتحها ووضع كفالة عدلية على مالك المزرعة وأن قرار الفتح سيكون مؤقتا وأن الدعوى القضائية ما زالت مستمرة.

وتبين للمرصد أنه وفي المرحلة الأولى من التغطية، ركزت غالبية وسائل الإعلام على خبر إغلاق المزرعة، ونقلت تصريحات مالكها التي تحدث فيها عن استكمال متطلبات الترخيص وهنا افتقرت وسائل إعلام للمهنية حيث يقتضي حديث مالك المزرعة ردا من الطرف الآخر وهو الذي لم يحدث، واعتبر أن استمرار الإغلاق ينعكس سلبًا على الاستثمار، كما حذر من تأثيره على الحيوانات الموجودة داخل المزرعة، وحظيت هذه التصريحات بانتشار واسع على المنصات الرقمية، ما أسهم في تصاعد الاهتمام الشعبي بالقضية

وتدفقت بعد ذلك المعلومات تلقائيا من وزارة الزراعة، وبدأت التغطية تأخذ منحى أكثر توازنًا عند عدد من الوسائل لكنَّ وسائل أخرى تجاهلت ذلك واستمرت بنشر عناوين غير متوازنة، ونقلت وسائل إعلام متوازنة رواية الوزارة التي أوضحت أن قرار الإغلاق جاء نتيجة مخالفات تتعلق بتعليمات ترخيص حدائق الحيوانات، من بينها السماح بالملامسة المباشرة بين الزوار والحيوانات، وعدم استيفاء عدد من الاشتراطات الفنية والبيطرية، إلى جانب وجود ملاحظات تتعلق بحيازة بعض الحيوانات، مؤكدة أن الهدف من الإجراءات هو تصويب الأوضاع بما يحافظ على السلامة العامة والصحة الحيوانية.

وتعززت التغطية لاحقًا مع دخول وزير الزراعة على خط القضية، من خلال زيارة ميدانية للمزرعة وتصريحات أكد فيها أن المنشأة تعمل دون ترخيص، وأن الوزارة لا تستهدف إغلاق الاستثمارات، وإنما تطبيق القانون وضمان الالتزام بالاشتراطات الناظمة لعمل حدائق الحيوانات، في مقابل استمرار مالك المزرعة في التأكيد على استكمال متطلبات الترخيص وظهور ملاحظات جديدة خلال إجراءات التصويب.

وامتد الاهتمام بالقضية إلى الشأن العام، إذ تناولها عدد من النواب، وطالبوا بإيجاد معالجة توازن بين إنفاذ القانون والحفاظ على الاستثمار المحلي والرفق بالحيوان وهنا غيبت وسائل إعلام ومنصات تواصل اجتماعي طرف من أطراف الرواية لما حدث مع أحد النواب الأمر الذي يعتبر مخالفة مهنية جسيمة ومخالفة لأدبيات الصحافة النزيهة والموضوعية

ولم تقتصر التغطية على الأخبار والتصريحات من عدد من الأطراف، بل امتدت إلى مقالات الرأي والتحليل التي ناقشت أبعاد القضية من زوايا مختلفة، إذ ركز بعضها على أهمية تحقيق التوازن بين تطبيق القانون ودعم الاستثمار، داعيًا إلى معالجة المخالفات وفق الأطر القانونية بما يحافظ على استمرارية المشاريع الاستثمارية متى كان ذلك ممكنًا.

ولم يقتصر الاهتمام على وسائل الإعلام الأردنية، بل انتقلت القضية إلى وسائل إعلام إقليمية تناولت تطوراتها، الأمر الذي وسّع نطاق انتشارها، وجعلها تتجاوز إطارها المحلي، خاصة مع استمرار الجدل على منصات التواصل الاجتماعي وتداول مقاطع الفيديو والصور المتعلقة بالمزرعة.

وفشلت عدة وسائل إعلام ومنصات تواصل اجتماعي في تغطية قرار صادر عن المحكمة الإدارية العليا وقدمته للجمهور على أنه انتصار لمالك المزرعة رغم أنَّ القرار أوقف بشكل مؤقت إغلاق المزرعة ووضع كفالة عدلية قيمتها خمسة آلاف دينار على مالك المزرعة لحين تصويب الأوضاع ولو نقلت القرار بهذه الطريقة لتحققت شروط الحياد والنزاهة الصحفية التي كان على عدد من وسائل الإعلام الالتزام بها.

ويرى (أكيد) أن التغطية الإعلامية لقضية السوسنة السوداء حملت ما يلي:

أولًا: يجب التعامل مع هذه القضايا دون اجتزاء والابتعاد عن نقل وجهة نظر واحدة والتقصي عن الأسباب الحقيقية لذلك.

ثانيًا: التغطية الصحفية يجب أن تحمي المصلحة العامة أولًا وتحقق التوازن وتبتعد عن التضليل وتمنع الشعبوية ولا تسعى لمنع تطبيق القانون وتحويل المجتمع إلى شريعة غاب.

ثالثًا: أهمية استمرار وسائل الإعلام في متابعة الملفات العامة حتى اكتمال مسارها الإداري والقضائي، وعدم الاكتفاء بالخبر الأول، إلى جانب الحرص على التحقق من المعلومات، وإتاحة المجال لجميع الأطراف لعرض مواقفها، وتحديث المحتوى كلما طرأت مستجدات، بما يعزز حق الجمهور في الحصول على معلومات دقيقة ومتوازنة ومكتملة.

رابعًا: دور وسائل الإعلام لا يقتصر على نقل الخبر، بل يمتد إلى المتابعة المستمرة للتطورات، بما يسهم في تمكين الجمهور من تكوين صورة متكاملة تستند إلى الوقائع والمستجدات.

خامسًا: منصات التواصل الاجتماعي لا تحمل الحقيقة وتتضمن وجهات نظر مختلفة وبعضها يميل لطرف على حساب طرف وبالتالي فإن وسائل الإعلام المهنية هي التي تستطيع وقف اضطراب المعلومات والتعدي على القانون من أي طرف من الأطراف.