الرأي الثقافي

«من التسجيل إلى التخييل».. المحاكاة التعبيرية في القصة الإماراتية

تتكئ عوالم التخييل على واقع صلب يمنحها شرعية الوجود ليعيد صياغته من جديد بروح الفن والابتكار. وفي هذا الفضاء النقدي الرحب يأخذنا الباحث أحمد حسين حميدان في كتابه «من التسجيل إلى التخييل: المحاكاة التعبيرية في القصة الإماراتية»، إلى أثر الكلمة والعوالم الإبداعية راصدا من خلاله تحولات الحكاية الإماراتية وهي تقفز من ضفة التوثيق والتسجيل الواقعي إلى فضاءات التخييل والابتكار الفني، مشرعا لهذه الرحلة مدخلا تأصيليا يرصد البدايات والميلاد لنشأة القصة الإماراتية في السبعينيات؛ حيث ولدت أول قصة قصيرة عام 1970، وتلتها أول مجموعة قصصية متكاملة عام 1974، وقد شهدت الحركة الثقافية مخاضاً قاده جيل الثمانينات الذي ركز على المضامين والقضايا المحلية المرتبطة بالمجتمع، وصولاً إلى جيل التسعينات الذي انفتح على آفاق جديدة تواكب العصر.

ويعزو الباحث تأخر ظهور هذا الجنس الأدبي إلى سببين رئيسين، أولهما معرفي يرتبط بمراحل تطور المسيرة التعليمية وتأسيسها، وثانيهما اجتماعي يتعلق بالتحول المتسارع للمجتمع الإماراتي من بنية القبيلة إلى دولة المؤسسات الحديثة، وفي هذه المناخات بزغ نجم رائد القصة الإماراتية عبد الله صقر أحمد الذي جاءت مجموعته القصصية «الخشبة» لتحاكي عالم القص وتواكب مرحلة التغيير في القصة العربية والخليجية، تلا ذلك بروز كوكبة من المبدعين الذين رسموا ملامح التحول من حياة البحر واللؤلؤ إلى حياة النفط والتحديث، أمثال محمد المر وعلي أبو الريش وإبراهيم مبارك، في حين التفت آخرون إلى رصد التفكك الأسري والمجتمعي والتغيرات الطارئة على سلوك الأفراد، مثل سلمى مطر وناصر الظاهري وعبد المجيد أحمد، مشيراً إلى أن القصة القصيرة في الإمارات تميزت بحضور إبداعي لافت مقارنة بالأجناس الأدبية الأخرى، متمثلة في أعمال ريادية مثل قصة «الرحيل» للأديبة شيخة الناخي التي انحازت للهم المحلي وقامت على معالجة الأعراف الاجتماعية السائدة على غرار رفض الأب تزويج ابنته بسبب الفقر، متجاوزة في ذلك الوقت الشروط الفنية الصارمة للقص لصالح التوثيق وبناء اللبنات الأولى، قبل أن تعود الناخي في مجموعتها «رياح الشمال» لتقدم نموذجاً أسرياً يأخذ فيه الرفض بعداً سياسياً وجغرافياً.

يتتبع الكتاب تطور تقنيات السرد وانتقال الخطاب الفني من مرحلة التسجيل المباشر إلى التخييل الرحب، حيث تداخل الهم العام بالخاص وعولجت علاقة الذات بالآخر في ظل دولة استجمعت كيان وحدتها لتخوض معركة التحديث، وقد قارب الباحث هذا التطور عبر محاور نقدية عاينت تجارب إبداعية رائدة، بدأها بهواجس التحديث عند عبد الله صقر أحمد رائد القصة الإماراتية، متخذا من مجموعة «الخشبة» نموذجاً لإبراز تركيز القاص على تحديث أدوات القص أكثر من اتكائه على الحالة الإنسانية، رغبة منه في الخروج عن المألوف المحلي وتقديم شخصيات متمردة على القمع السلطوي، رغماً عن التفاوت الفني والأيديولوجي بين نصوص المجموعة. ثم ينتقل لمعاينة جهات السرد في قصص شيخة الناخي عبر مجموعتها «رياح الشمال» التي برزت كعلامة فارقة وإضافة نوعية في القص النسوي الإماراتي، حيث وظفت الكاتبة خبرتها التربوية لتسليط الضوء على الأزمات الأخلاقية والتربوية الناتجة عن استخدام التكنولوجيا الحديثة، لتكتسب مجموعتها أبعاداً ثلاثة تراوحت بين المحلي والعربي والإنساني، متجاوزة مفهوم القص التقليدي لتواكب الحداثة السردية.

وفي سياق متصل، يعاين الباحث تجليات المعاناة الإنسانية عند عبد المجيد أحمد من خلال مجموعاته الثلاث «السباحة في عيني خليج يتوحش» و'البيدار» «وعلى حافة النهار»، والتي تميزت بتخطي الإيجاز القصصي نحو الأفق الروائي الرحب، ممازجاً فيها بين الواقعي والغرائبي والمتخيل، ومستخدماً أسلوب السرد الذاتي عبر الراوي المشارك والتداخل الزماني والمكاني الذي جعل قصصه بمثابة لوحات تشكيلية تتداخل فيها الأصوات، بينما رصد في محور آخر الشخصية المسكونة بمتاهة الأزمات عند سلمى مطر سيف، مبرزاً المفارقة بين مجموعتها الأولى «عشبة» التي جسدت مشاعر الإحباط والخذلان، ومجموعتها الثانية «هاجر» التي جاءت للاحتفاء بالحياة وإخراج المرأة من حرب الكينونة عبر أسلوب الواقعية السحرية التعبيرية، ليلتقي هذا الطرح مع انشغالات الأديبة باسمة يونس في مجموعتها «ماذا لو مات ظلي»، حيث تظهر الذات مثقلة بالأسئلة الوجودية وهواجس البحث في عمق الإنسان، معيدة إنتاج الحدث المتواري خلف القص وإضفاء روح عصرية على رصد المشهد الواقعي.

ويمتد الخيط النقدي ليصل إلى السياق التاريخي والإنساني عند ناصر جبران، الذي انطلق من مقولة إن الإنسان ابن بيئته ليربط بين عناصر الطبيعة والمجريات التاريخية لزمن الاحتلال الإنجليزي في الخليج العربي بلغة اتسمت بالبساطة الممتزجة بالطقوس الحكائية الأصيلة، في حين عالج الباحث أرق الشخصيات المنسية وأزمات الواقع عند صالح كرامة في مجموعته «سهرة مع الأرق»، والتي امتازت بخصوصية واضحة تمازج بين فن القصة وتقنيات المسرح، معتمدة على تيار الوعي والحلم والاسترجاع الفني ليفضي بنصوصه نحو النهايات المفتوحة، أما عائشة الزعابي فقد اعتمدت في الفعل الحكائي والسردي على زخرفة الجملة القصصية والاشتغال على جماليات اللغة وأناقتها، بينما فرضت فاطمة المزروعي واقعاً خيالياً مغايراً للمعيش عبر لوحات سردية تمتاز بالتكثيف الشديد واختصار الحدث.

واستعرض محور «اختصار السرد ورحابة المعاناة الإنسانية» اللغة المختزلة والمكثفة في مجموعة «أجزاء متساقطة»، للكاتبة ليلى سالم الصم، وتم تصنيف قصص المجموعة ضمن مسمى قصص الومضة، في حين جاء محور «أطياف الموت وأبعاده التعبيرية في قصص عائشة عبدالله محمد» ليرصد مظاهر المخبوء الداخلي، حيث اتبعت الكاتبة نهج غادة السمان وغيرها من الكاتبات اللواتي قمن بإدانة الأنا الذكورية الجمعية واختتم الباحث دراسته بمعاينة المجموعة القصصية «الرحلة رقم ثمانية» للكاتبة ريا مهنا البوسعيدي، مسلطاً الضوء على التناص الحكائي والقرآني الذي قامت بتوظيفه الكاتبة لتصور معاناة المرأة.

يشكل كتاب من التسجيل إلى التخييل للباحث أحمد حسين حميدان، إضافة نوعية ومقاربة نقدية جادة للمكتبة العربية، فهو لم يقف عند حدود الرصد التاريخي فحسب، بل نجح في تفكيك الشفرات الجمالية للنصوص الإمارتية، وقدم دليلاً وافياً يثبت كيف استطاع السرد الإماراتي أن يطوع الواقع ويحلق به في سماوات التخييل الرحبة.