كان إعلان الشريف حسين الثورة العربية من مكة عام 1916 حدثا استثنائيا في التاريخ العربي الحديث، حدثا فتح الطريق أمام الجمعيات العربية التي تألفت آنذاك للمطالبة بحقوق العرب، مسندة بمجموعات من المثقفين والمفكرين والشعراء الذين ينتشرون على مساحة الجغرافيا العربية في المشرق والمغرب. هؤلاء جميعا وقفوا مع الفكرة والمشروع الذي أعلنت عنه الثورة، وهو الممثل لحركة قومية، ورؤى أمة تسعى إلى الحرية والاستقلال، وبناء دولة عربية كبرى موحدة محركها ومحورها الهاشميون الذين رسموا مستندين إلى شرعية دينية قومية أفق المشرع العربي في بناء الدولة العربية الإسلامية الكبرى.
كان هذا المشروع رؤيا متقدمة لبناء دولة عربية كبرى، تنهض متحررة من إرث ثقيل دام قرونا. وهي تعي التحولات الكبرى التي يشهدها العالم آنذاك ممثلة بالصراع الكوني في سياق الحرب العالمية الأولى التي كانت تؤذن بسقوط امبراطوريات، وصعود أخرى.
كان على العرب اغتنام الفرصة للتخلص من الحكم العثماني الذي استمر قرونا طويلة. ووجدوا أن التحالف مع أعداء أعدائهم آنذاك مدخلا لتحقيق غاياتهم في إنشاء دولتهم العربية الكبرى المستقلة. الدولة التي تضم الجزيرة العربية، وبلاد الشام، والعراق. لكن القوى المنتصرة دمرت بتواطؤ مسبق مشروع هذه الدولة، ووجدت الثورة العربية نفسها في مواجهة جديدة مع المستعمرين الجدد حلفاء الأمس، فكان عليها أن تقاتل مرتين: مع الحلفاء ضد الأتراك، ومرة ضد المستعمرين الجدد الذي أصبحوا الأعداء الجدد الأشد عنفا وبطشا، والذين رسموا للمنطقة العربية خارطة جغرافيا سياسية جديدة لم يعرفها تاريخها من قبل.
ولم يتورع المنتصرون عن التنصل من وعودهم، وتحقيق مشروعهم النقيض للمشروع العربي بالقوة والعنف. فدمروا المملكة السورية، وأخرجوا الملك فيصل بالقوة القاهرة. مما دعا الأمير الملك عبد الله الأول للقدوم إلى الأردن انتصارا لأخيه، ومن ثم تأسيس الدولة الأردنية التي نعيش في ظلها. وأمام إصرار الشريف حسين وتمسكه بمبادئه، ورفضه المطلق استثناء فلسطين من مشروعه، نفاه الإنجليز إلى قبرص، حيث مكث فيها إلى قبيل وفاته عام 1931، ودفنه في القدس.
إن الثورة العربية الكبرى لم يقيض لها من يؤرخ لأعلامها الملوك، ولأحداثها، ولفكرتها، ولمشروعها القومي، ولم تقرأ في سياق حربين كونيتين عملت القوى الأوروبية المنتصرة فيهما على وأد المشروع والفكرة من خلال جغرافيا سياسية رسمت خطوطها وخيوطها. هناك دراسات عن بعض مراحل الثورة وأحداثها، لكن المدونة التي تتعلق بالجانب الأدبي، أو ما يمكن تسميته «المدونة الأدبية للثورة» لم تتابع ولم تجمع أو تدرس. وهي مدونة تعنى بالشعر، كما تعنى بالأعمال الأدبية الأخرى.
لقد واكب الشعر العربي الثورة العربية الكبرى، وعبر عنها في صورها المتداخلة المتناقضة، فثمة مادة شعرية كبيرة نشرت في جريد القبلة تزامنا مع الثورة، تابعت انبثاقها وأحداثها ومعاركها ورموزها على نحو تفصيلي، وقد كتب هذه الأشعار شعراء من مختلف البلاد العربية في المشرق والمغرب، كما كان لشعراء المهجر حضور بارز فيها. لقد تمحورت هذه الأشعار حول فكر الثورة العربية الكبرى ورؤاها في استعادة مجد العرب وإقامة دولتهم الكبرى تحت راية الهاشميين، كما وقفت كثير من القصائد على الصراع مع الأتراك، وصورت عنفهم وظلمهم للعرب، وتابعت معارك الثورة العربية ضدهم في الحجاز والشام، وتحدثت عن قادة الثورة، الشريف حسين وأنجاله. وقد جمع هذه النصوص ونشرها د.سعد أبو دية. لكن المقصود هنا لا يقتصر على مراحل الثورة الأولى، بل متابعة حضورها في الأردن والعراق، وحضورها في شعر كبار الشعراء العرب.
وإن الظاهرة اللافتة والمصاحبة للثورة العربية تتمثل في الخطاب الشعري الذي يدور حول النهضة العربية وبناء الدولة العربية الحديثة التي تعيد للأمة مجدها، والتعبير عن أفق جديد مفعم بالآمل والتفاؤل، ترتسم فيه ملامح مستقبل أشبه بحلم عظيم تجلت بعض ملامحه في انطلاق الثورة، وفي صورة فيصل بن الحسين وهو يعلن قيام الدولة العربية من دمشق ويرفع علم الثورة على دار الحكومة فيها، ويعلن للأمة قيام حكومة عربية مستقلة، وفي الروح القومي العظيم الذي سرى في الأمة وعبر عنه الشعر العربي في صيغة خطاب سياسي قومي يعبر عن قيم الوحدة والحرية والاستقلال. فقد تركز الخطاب على صيغ «أيها العرب» و'الأمة العربية»، وتجاوز الدوائر الجغرافية الضيقة، ولعل خير تعبير عن هذا قول الشيخ فؤاد الخطيب:
الله أكبر تلك أمة يعرب
نفرت من الأغوار والأنجاد
وقول سعيد الكرمي في خطاب الملك فيصل:
قد عاد عهد العلا والمجد للعرب
والحمد لله نلنا غاية الأرب
وقول خليل مطران في الشريف حسين:
مـــــا كــان همك مـلـكـا تستقـل بــه
والـجــدُّ فـي صـعد والمـجد في صبـب
بـل نـصـرة الـعـرب فـي حـق أقرّ لهم
تـؤيــد الـشـّــرع فـيـه حـجّة الغـلب
فـمـا ألـوْت لـذاك الـحــقّ عـن طـلب
كـيــف يــُدرك مطـلـوب بـلا طلب؟
قاسوا «الحسين» إلى غير «الحسين» فلمْ
تـصــدق فــراسـتـهـم فيـه ولـم تُصب
هذه روح قومية رسمت ملامحها الثورة العربية الكبرى الثورة التي مثلت رؤى فكرية سياسية ذات أفق عظيم. وقد عبر عنها وحملها عدد كبير من الشعراء والكتاب والمثقفين العرب في زمن توهج الثورة واشتعالها واندفاعاتها، واستمرت هذه الرؤى حاضرة في فكر الملوك الهاشميين في العراق، واستمرار حضوره في والأردن.
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بانتصار من حالفهم العرب وقاتلوا معهم بدت الحقيقة العارية في الخداع والخيانة، فقد أصر حلفاء الغدر على وأد الحلم العربي العظيم برفضهم الاعتراف باستقلال العرب، وبإصرارهم على تقسيم البلاد العربية إلى مناطق نفوذ لهم، وبهذا بدأت مرحلة جديدة من تاريخ الثورة العربية تميزت بمواجهة غير متكافئة مع المستعمرين الجدد، وظل الشريف حسين متمسكا بمبادئه وحلمه الكبير، وكذلك أنجاله الملك فيصل، والملك عبد الله.. فكان أن دفع الشريف حسين ثمن مواقفه المبدئية التي لم يتخل عنها، وبخاصة رفضه المطلق للقبول بما دبر لفلسطين.
في هذه المرحلة من عمر الثورة شهد الشعر تحولا يلائم المعطيات الجديدة، فانصب الحديث على الصراع مع الغرب، وعلى خيانة الحلفاء وعلى الحال التي آلت إليها الأمة، لكن الصورة الأكثر حضورا ظلت صورة الهاشميين الشريف حسين وأنجاله، فقد ظل الشعراء يرون فيهم الرجال الذين رسموا مسارات المستقبل للأمة. وبرز تيار في الشعر يمكن أن يوصف بأنه «الموقف من الغرب في شعر الثورة العربية الكبرى»، وقد مثله عدد كبير من الشعراء العرب في المشرق والمغرب، وفي المهجر ركزوا على الصراع مع الغرب وبيان خداعه وجبروته وعنفه وجرائمه بحق العرب في كثير من بلدانهم، وغدا هذا موضوعا محوريا في شعر أبي الفضل الوليد فقد كتب مطولات في هذه المسألة منها القصيدة الباريسية يقول فيها:
أكذا نقضت عهود أشرف أمة
وبعثت أشرارا لخير ملوك
هذي العداوة بيننا أبدية
تسكينها يدعو إلى التحريك
أرض الشآم شهيدة مقهورة
بدموعها ودمائها ترميك
بعد الأمان غدرتها وفجعتها
فلغي دما من أهلها يشفيك
وفي قصيدة بعنوان «أيها الغرب» يقول الياس فرحات:
عذرتك لو وجدت لديك عذرا
ولكني أراك أتيت نكرا
غرست بنا التعصب من قديم
فأثمر ذلة وأسى وضرا
وهل نغدو لأوروبا متاعا
يباع بسوق ساستها ويشرى
وأوروبا يخضب ساحتيها
دم سفكته كف الظلم هدرا
وهناك عشرات النصوص الشعرية التي تتحدث عن خيانة الحلفاء وتعيد الحديث عن الحسين وفيصل، وعما حل بالشام من المصائب على يد الفرنسيين، ويشكل هذا الشعر مادة ثرية لقراءة العلاقة بالغرب من منظور خيانتهم الثورة العربية الكبرى والغدر بقادتها.
بعد خروج الملك فيصل من دمشق وذهابه إلى العراق، وقدوم الأمير عبد الله (الملك) إلى الأردن وتأسيس الإمارة، تبدأ مرحلة جديدة من مراحل الثورة العربية الكبرى مرحلة فرضتها نتائج الحرب العالمية الأولى وغدر الحلفاء، وتقسيم البلاد العربية. في هذه المرحلة ظل الملوك الهاشميون يحملون رؤى الثورة ويبحثون عن صور لتحقيقها، وظل الشعر العربي يواكب هذه المرحلة معبرا عن تقدير مدهش للهاشميين ودورهم في النهوض بالأمة، وعملهم في سبيل رفعتها، ويظهر هذا في الكم الضخم من الشعر الذي قيل في الشريف حسين مدحا وتأبينا، وفي الملك فيصل، والملك عبد الله.. هذا الشعر يشكل مدونة شعرية كبرى شارك فيها عدد كبير من أعلام الشعر العربي: فؤاد الخطيب، والياس طعمة، وعمر ابو ريشة، والشاعر القروي، وإيليا أبو ماضي، والأخطل الصغير، وخليل مطران، والياس فرحات، وخير الدين الزركلي، وبدر الدين الحامد، وبدوي الجبل، وشفيق جبري، ومحمد البزم، وسعيد الكرمي، وإبراهيم طوقان وأحمد الكرمي، واسكندر الخوري البيتجالي، والرصافي، والزهاوي، وعبد المحسن الكاظمي، وعبد المحسن الصحاف، والجواهري، ورشيد الهاشمي، وأحمد شوقي، وعلي الجارم، وعلي محمود طه، وأحمد محرم، ومصطفى وهبي التل، ورفعت الصليبي وعشرات آخرين من الشعراء من مختلف البلاد العربية.
شكلت النصوص التي كتبها هؤلاء ما أستطيع تسميته «مدونة الثورة العربية الكبرى»، وهي مدونة ضخمة تمثل سجلا مفصلا للثورة بكل أبعادها وعناصرها ومراحلها، كل ذلك دون أن يكون هدف أصحابها منفعة فردية، كما هي الحال في شعر المتكسبين الباحثين عن منافع فردية، بل كانوا يعبرون عن عظمة الفكرة الموحدة التي آمنوا بها، وعن ذات جمعية في إطار سياسي قومي.
أوردت هذه القائمة المختصرة جدا، لأبين أن هذه الظاهرة متميزة في تاريخ الأدب العربي قديمه وحديثه، فأن يجمع الشعراء العرب من مختلف الأقطار العربية في المشرق والمغرب والمهجر على الانتماء إلى حركة ثورية عربية، وأن يظلوا على وفائهم لها طيلة نصف قرن تقريبا، فأمر ينبغي أن يقرأ في ضوء مبادئ الثورة وشخصيات قادتها.
والأمر الذي يستوقف القارئ أن هذه الظاهرة الأدبية الفكرية والقومية السياسية لم تحظ بالاهتمام الذي تستحق، فالبحث عن دراسات أو أبحاث عن هذه الظاهرة الشعرية في الثورة العربية الكبرى يفضي إلى حال من الإحباط، إذ لا يكاد المرء يقع على دراسة واحدة في هذا المجال. وهذا ما يستثير من مجموعة من التساؤلات خاصة هنا في بلدنا الذي ما زال يحمل إرث الثورة، ويحافظ عليه، ويحتفي بمرور ما يزيد على مئة عام عليها، وبمرور أزيد من مئة عام على تأسيس الدولة الأردنية التي انبثقت من رحم تلك الثورة، والتي كان الملك المؤسس عبد الله بن الحسين وأنجاله وأحفاده -وما زالوا- رعاة تلك الفكرة الحلم بتأسيس الدولة العربية الكبرى التي رسم ملامحها المفكرون والمثقفون العرب في عصر المد القومي.
إن الاحتفال بمئوية الدولة حدث استثنائي ينبغي أن يركز على اللباب، ويبرز أعظم ما استطاعت الدولة الأردنية بقيادتها الهاشمية أن تحققه وتحافظ عليه. إن قراءة واعية مثقفة لتاريخ الدولة الأردنية بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية هو العمل القادر على ترسيخ الصورة الحقيقية لهذه الدولة التي تمثل نموذجا ينبغي أن يعاين بعمق يتناسب مع آفاقها وتاريخها وحاضرها. إن ما ينبغي قراءته هو فكر الثورة العربية وأفقها الفكري والسياسي العربي الواسع الذي يمثل حالة استثنائية في العصر الحديث، حالة ما زالت الدولة الأردنية تمثلها عبر قرن من الزمان، ولعل البعد الثقافي الفكري هو ما ينبغي أن يكون في بؤرة الاهتمام.
هذا مشروع لم يتبنَّهُ أحد.