أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأربعاء، أمرا بفرض حظر تجاري على إسبانيا، وطلب من وزير الخزانة سكوت بيسنت "قطع جميع العلاقات التجارية... بما في ذلك الزيارات"، في ظل التوتر بشأن الإنفاق الدفاعي.
وقال مسؤول أميركي لرويترز إن وزارتي الخزانة والتجارة ومكتب الممثل التجاري الأميركي سيعملون على تقديم "قائمة بالمنتجات الإسبانية التي يمكن فرض حظر عليها في الأيام المقبلة" إلى ترامب. وتشير هذه التصريحات إلى أن الحظر التجاري قد يكون جزئيا.
فيما يلي نظرة على الخيارات المتاحة أمام ترامب لوقف التجارة مع إسبانيا وتبعات مثل هذه الخطوة.
* صلاحيات ترامب لفرض حظر تجاري
يقول محامون متخصصون في شؤون التجارة إن قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لا يزال يتيح للرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض حظر تجاري أو عقوبات اقتصادية على دولة ما، رغم حكم أصدرته المحكمة العليا الأميركية في شباط ضد استخدامه هذا القانون لفرض رسوم جمركية.
ولتفعيل القانون، يتعين على ترامب إعلان حالة طوارئ وطنية بسبب "تهديد غير عادي أو استثنائي" للأمن القومي الأميركي أو السياسة الخارجية أو الاقتصاد.
واستُخدم القانون على نطاق واسع لتقييد التعاملات التجارية مع إيران وروسيا وكوريا الشمالية، ولحظر المعاملات المقومة بالدولار لآلاف الشركات والأفراد والكيانات الأخرى التي تعتبر مرتبطة بالإرهاب أو تشكل تهديدا للأمن القومي.
وقال بيتر شاين، أستاذ القانون في جامعة نيويورك، إن "من الصعب تصور" كيف يمكن لفشل دولة واحدة، من دول حلف شمال الأطلسي البالغ عددها 32 دولة، في تحقيق هدف الإنفاق الدفاعي بفارق ثلاثة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، في أوقات السلم، أن يشكل حالة طوارئ بالنسبة للولايات المتحدة.
لكن مايور باتيل، المستشار التجاري الجمهوري السابق للجنة المالية في مجلس الشيوخ الأميركي، قال إن المحكمة العليا لم تبد رأيا بشأن طبيعة حالة الطوارئ التي استند إليها ترامب في ملف الرسوم الجمركية، وهو ما يعني أن قدرته على إعلان حالة طوارئ وطنية باقية "دون مساس".
وأضاف باتيل، الذي يعمل حاليا شريكا متخصصا في شؤون التجارة لدى شركة هوغان لوفيلز للمحاماة في واشنطن، "قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية سيسمح لترامب بفرض حظر تجاري"، حتى لو تعرض لاحقا لطعون أمام القضاء.
* حجم التجارة التي سيؤثر عليها الحظر
تظهر بيانات مكتب الإحصاء الأميركي أن إجمالي تجارة السلع بين الولايات المتحدة وإسبانيا بلغ 47.9 مليار دولار في عام 2025. وتوضح بيانات مكتب التحليل الاقتصادي التابع لوزارة التجارة الأميركية أنه عند إضافة تجارة الخدمات، بما في ذلك قطاع السفر، يرتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 74.5 مليار دولار، مما يضع إسبانيا في المرتبة الثالثة والعشرين بين أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.
وتبيع الولايات المتحدة لإسبانيا أكثر مما تستورد منها، إذ بلغت صادراتها إلى السوق الإسبانية 26.6 مليار دولار في عام 2025، مقابل واردات بقيمة 21.35 مليار دولار، ما نتج عنه فائض تجاري أميركي قدره 5.25 مليار دولار.
وتشمل أبرز السلع التي تستوردها الولايات المتحدة من إسبانيا، وفق بيانات مكتب الإحصاء، الأدوية والمحولات الكهربائية ومحولات الطاقة ومنتجات العناية الشخصية والمنتجات النفطية والسيراميك المطلي بطبقة زجاجية وزيت الزيتون. وأهم الصادرات الأميركية إلى إسبانيا هي الأدوية والنفط الخام والطائرات المدنية والذرة.
وقد يؤدي أي حظر تجاري إلى تعطيل الاستثمارات الثنائية. وتظهر بيانات يوروستات، التي أشارت إليها غرفة التجارة الأميركية في إسبانيا، أن الشركات الإسبانية تستثمر 97.2 مليار يورو (111 مليار دولار) في الولايات المتحدة، مما يجعلها أكبر وجهة لاستثمارات هذه الشركات على مستوى العالم.
وتعد الولايات المتحدة أكبر مستثمر أجنبي في إسبانيا، إذ تتجاوز استثماراتها الرأسمالية الإنتاجية 116 مليار يورو (132.4 مليار دولار)، وتوفر نحو 200 ألف فرصة عمل داخل البلاد.
* ما مصير السفر من إسبانيا وإليها؟
لم يتضح بعد كيف سيفرض ترامب قيودا على سفر الإسبان، في الوقت الذي يستعد فيه المنتخب الإسباني لكرة القدم لخوض مباراة في كأس العالم بالولايات المتحدة غدا الجمعة. لكن الإدارة الأميركية حظرت في العام الماضي دخول مواطني أكثر من 30 دولة إلى الولايات المتحدة، بمن فيهم سياح وطلاب ورجال أعمال، بدعوى مخاوف أمنية.
ولم يوضح ترامب أيضا ما إذا كان حظر السفر سينطبق على الزوار المغادرين إلى إسبانيا، والذين يشكل إنفاقهم هناك واردات خدمات إلى الولايات المتحدة.
وذكر المعهد الوطني للإحصاء في إسبانيا (آي.إن.إي) أن نحو 4.45 مليون أميركي زاروا إسبانيا لأكثر من يوم خلال عام 2025، بزيادة 4.3% مقارنة مع عام 2024. وشكل الأميركيون نحو 4.6% من إجمالي 96.8 مليون زائر لإسبانيا عام 2026، لتصبح بذلك في المرتبة السادسة بعد بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا.
وأشارت بيانات من بنك إسبانيا إلى ان المسافرين من الولايات المتحدة شكلوا رابع أكبر مصدر دخل للسياحة في إسبانيا بقيمة 6.15 مليار يورو عام 2024.
وقال البنك إن الأميركيين يميلون إلى البقاء لفترة أطول وإنفاق مبالغ أكبر في كل رحلة مقارنة مع السياح من جنسيات أخرى.
* خيارات متاحة بخلاف الحظر الكامل
قال باتيل إن ترامب بوسعه فرض حظر انتقائي بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، مثلما فعل هو والرئيس الأميركي السابق جو بايدن ضد روسيا، مع السماح بدخول بعض السلع التي تعتبر أساسية. وفيما يتعلق بروسيا، تشمل هذه السلع اليورانيوم المخصب والأسمدة والبلاديوم.
وسبق أن أعفى ترامب قطع غيار الطائرات من الرسوم الجمركية، لذا فإن مكونات توربينات محركات الطائرات النفاثة من شركة آي.تي.بي إيرو الإسبانية التي تستخدمها شركات جنرال إلكتريك وآر.تي.إكس وبرات اند ويتني ربما تكون مرشحة للإعفاء.
ويمتلك ترامب أيضا أدوات أخرى لفرض رسوم جمركية أو تدابير تجارية انتقامية أخرى، منها المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، وهو قانون خاص بممارسات غير عادلة للتجارة تقترحه إدارته الآن لفرض رسوم جمركية تتعلق بالعمل القسري على سلع من 60 شريكا تجاريا من بينها الاتحاد الأوروبي.
ويمكن لترامب، بالإضافة إلى ذلك، الاستعانة بقانون تجاري يعود إلى حقبة الحرب الباردة، وهو المادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962، والذي يستخدمه لحماية قطاعات السيارات والصلب والألمنيوم وغيرها من القطاعات التي تعتبر مهمة للأمن القومي.
ومن بين العوامل التي تعقد اتخاذ أي إجراء تجاري محتمل ضد إسبانيا هو أن الاتحاد الأوروبي هو الذي يضع السياسة التجارية للدول الأعضاء فيه، ويشترط معاملة موحدة في جميع أنحاء التكتل. لكن الولايات المتحدة سبق أن هددت دولا من الاتحاد الأوروبي بفرض رسوم جمركية على خدماتها الرقمية.
ومن الممكن أن تستهدف وزارة التجارة الأميركية أيضا بعض الواردات الإسبانية من خلال فتح تحقيقات في قضايا مكافحة الإغراق والدعم.
وكان ترامب في ولايته الأولى فرض، بعد طلب من منتجي الزيتون في كاليفورنيا، رسوم مكافحة إغراق 30% على الزيتون الأسود الإسباني بموجب قانون الرسوم الجمركية لعام 1930.
* ألم يهدد ترامب إسبانيا من قبل؟
بلى. فقد أطلق ترامب تهديده الأول بفرض رسوم جمركية على إسبانيا في تشرين الأول 2025، عندما قال إنه "ربما" يعاقب إسبانيا بفرض رسوم جمركية بسبب رفضها خلال قمة حلف شمال الأطلسي في لاهاي قبل أربعة أشهر الالتزام برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي.
واتخذ ترامب إجراء آخر في آذار من العام الحالي، إذ أمر بيسنت والممثل التجاري جيميسون جرير بفتح تحقيقات لحظر جميع السلع الواردة من إسبانيا. وحتى الآن، لم يتم الكشف عن أي تحقيقات من هذا القبيل في السجل الاتحادي.
* ما حجم مساهمة إسبانيا في حلف شمال الأطلسي؟
وتشير أحدث تقديرات حلف شمال الأطلسي إلى أنه من المتوقع أن يصل الإنفاق الدفاعي الأساسي لإسبانيا إلى 35.41 مليار يورو عام 2026 (40.4 مليار دولار)، أي نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي، ارتفاعا من 11.17 مليار يورو (12.8 مليار دولار) حينما تولى رئيس الوزراء بيدرو سانتشيز منصبه عام 2018.
وقال مسؤولون حكوميون إسبان استندوا إلى بيانات من حلف شمال الأطلسي إن مدريد حلت في المرتبة السابعة من حيث الإنفاق الدفاعي بالقيمة المطلقة عام 2025. وقدمت إسبانيا منذ عام 2022 ما مجموعه 3.795 مليار يورو لدعم أوكرانيا.