كتاب

رؤية تشريعية جديدة لضبط العمل الوزاري

لا يزال قرار مجلس الوزراء بالمضي في إجراءات إعداد مشروع نظام لضبط العمل الوزاري ومنع تعارض المصالح يثير نقاشا واسعا حول دلالاته ومبرراته، إذ يرى البعض أنه يعكس قصورا في المنظومة التشريعية القائمة للتعامل مع هذه الظاهرة. غير أن هذا التوجه لا ينبغي أن يُفهم بوصفه إقرارا بوجود فراغ قانوني في مواجهة الفساد أو استغلال الوظيفة العامة، بل باعتباره انتقالا مقصودا نحو مقاربة أكثر تطورا في إدارة العمل الحكومي، تقوم على الوقاية من تعارض المصالح قبل تحوله إلى مخالفة، وترسيخ قواعد الحياد والنزاهة والشفافية في ممارسة العمل الوزاري.
فتعارض المصالح ليس ظاهرة محلية أو مشكلة مرتبطة بدولة بعينها، وإنما هو تحد يواجه مختلف الأنظمة السياسية في العالم. فكل من يتولى منصبا عاما أو يمارس سلطة اتخاذ القرار قد يجد نفسه في موقف تتقاطع فيه المصلحة العامة التي اؤتمن على رعايتها مع مصلحة خاصة تعود إليه أو إلى أحد أقاربه أو إلى جهة يرتبط بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ومن هنا، حرصت الديمقراطيات الحديثة على تنظيم هذه الحالات، ليس افتراضا لسوء النية لدى المسؤول، وإنما حماية للمال العام وصونا للثقة بالقرار العام.
ومن هنا، يجب التمييز بين تعارض المصالح من جهة والفساد من جهة أخرى. فليس كل تعارض للمصالح يشكل جريمة جزائية، إذ إن مجرد وجود مصلحة خاصة للمسؤول لا يعني بالضرورة أنه سيستغل منصبه أو يخالف القانون. فقد يكون تعارض المصالح كامنا أو محتملا، لكنه قد يتحول إلى مخالفة عندما يؤثر صاحب المنصب العام في القرار لتحقيق منفعة شخصية أو لتفضيل مصلحة خاصة على حساب المصلحة العامة. ولهذا، تتعامل التشريعات الحديثة مع تعارض المصالح بوصفه خطرا ينبغي إدارته والحد منه قبل أن يتحول إلى فعل مجرم.
ومن هذا المنطلق، فإن مشروع النظام الجديد لا يعني أن القانون الأردني يخلو من النصوص التي تجرم استغلال الوظيفة العامة أو تحقيق منافع غير مشروعة. فالتشريعات الأردنية تتضمن منظومة متكاملة من الأحكام التي تعاقب على الرشوة والاختلاس واستثمار الوظيفة وإساءة استعمال السلطة والكسب غير المشروع، إلى جانب الصلاحيات الواسعة الممنوحة للجهات الرقابية المختصة بمكافحة الفساد وحماية المال العام. ولذلك، فإن القول إن النظام الجديد جاء بسبب ضعف المنظومة القانونية لا يستند إلى أساس صحيح.
إن ما يميز مشروع النظام الجديد أنه ينقل التنظيم القانوني من مرحلة العلاج إلى مرحلة الوقاية. فالقوانين الجزائية بطبيعتها لا تتدخل إلا بعد وقوع المخالفة، بينما يسعى نظام تعارض المصالح إلى منع نشوء الظروف التي قد تؤدي إليها ابتداء. وتبرز أهمية هذا النظام في أنه سينقل قواعد تعارض المصالح من نطاق الالتزامات الأخلاقية التي تحكمها مدونات السلوك إلى نطاق القواعد القانونية الملزمة. فمدونة السلوك، مهما بلغت أهميتها، تبقى إطارا أخلاقيا يوجه سلوك المسؤول، أما النظام القانوني فيرتب التزامات واجبة النفاذ وآثارا قانونية محددة عند مخالفتها، بما يعزز جدية الالتزام ويوفر سندا قانونيا أوضح للجهات الرقابية.
ولهذا، فمن المتوقع أن يتضمن النظام قواعد واضحة تلزم الوزراء بالإفصاح عن المصالح الخاصة التي قد تؤثر في قراراتهم، والامتناع عن المشاركة في أي قرار يحقق لهم أو لأقاربهم منفعة مباشرة أو غير مباشرة، وتنظيم العلاقة مع الشركات والمتعهدين وسائر الجهات ذات العلاقة بالحكومة، ومنع استغلال المعلومات التي يحصل عليها الوزير بحكم منصبه، إلى جانب تمكين الجهات الرقابية من التدخل في مرحلة مبكرة قبل تحول تعارض المصالح إلى مخالفة قانونية أو شبهة فساد.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة. فالمواطن لا يكتفي بأن يعلم أن القانون سيعاقب من يخالف، وإنما يريد الاطمئنان إلى وجود منظومة قانونية تحول أصلا دون استغلال السلطة أو إساءة استخدامها. فكلما ازدادت وضوحا قواعد النزاهة والشفافية، ارتفع مستوى الثقة بالقرار الحكومي، وانخفضت فرص التشكيك في سلامة الإجراءات أو عدالة القرارات الإدارية.
إن الدولة الحديثة لا تقاس بقدرتها على معاقبة الفاسدين فحسب، وإنما بقدرتها على بناء منظومة تشريعية تحول دون وصول المسؤول إلى مرحلة ارتكاب المخالفة، وتحمي المال العام قبل أن يكون عرضة للاعتداء. ولذلك، فإن نجاح هذا النظام لن يقاس بعدد القضايا التي سيكشفها، وإنما بعدد حالات تعارض المصالح التي سيمنع وقوعها ابتداء، وهو ما يشكل الضمانة الحقيقية لحماية المصلحة العامة وتعزيز الثقة الشعبية بمؤسسات الدولة. كما أن نجاحه سيؤسس لثقافة قانونية جديدة تجعل الوقاية من تعارض المصالح جزءا أصيلا من الإدارة العامة، لا مجرد استجابة لاحقة لوقوع المخالفة.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com