بدأت القصة بمكالمة هاتفية تحمل استغاثة لفتاة تعرضت لاعتداء، لكنها لم تنتهِ عند حدود المساعدة الفورية، وإنما تحولت إلى ولادة فكرة لمبادرة اجتماعية أضحت اليوم نموذجا وطنيا في الحماية الاجتماعية والتمكين، تخدم الكثير من الفئات المستهدفة.
هذه القصة استمع إليها أعضاء اللجنة الإعلامية المنبثقة عن الفريق الوطني لحماية الأسرة من العنف، واللجنة الوطنية لكبار السن في المجلس الوطني لشؤون الأسرة خلال زيارتهم، أمس الأربعاء، إلى مؤسسة الأميرة تغريد للتنمية والتدريب؛ استجابة لرغبة المجلس وأعضاء اللجنتين للاطلاع على تجربة المؤسسة وبرامجها في مجالات الحماية الاجتماعية والتمكين.
وأكد مساعد الأمين العام للشؤون الفنية في المجلس الوطني لشؤون الأسرة، محمد الزعبي أن الزيارة جاءت تأكيدا لأهمية تعزيز التعاون والتنسيق بين المؤسسات الأعضاء في اللجان التي يترأسها المجلس، بما يسهم في تكامل الجهود الوطنية الهادفة إلى تحقيق المصلحة الفضلى للأسرة الأردنية بجميع أفرادها.
وأشاد الزعبي بالدور الذي تؤديه المؤسسة، مؤكدا أن برامجها تجسد رؤيتها ورسالتها من خلال التوسع في مجالات الحماية الاجتماعية، لتشمل المرأة والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة، وفتح آفاق التدريب والتأهيل والإنتاجية، إلى جانب توفير فرص العمل ودعم المشاريع الريادية.
بدورها، قالت مديرة عام المؤسسة، الدكتورة أغادير جويحان، إن المؤسسة التي تعمل تحت مظلة وزارة التنمية الاجتماعية، تتمحور رسالتها حول توفير الحماية الاجتماعية لأربع فئات رئيسية.
وأوضحت أن انطلاقتها كانت بالتركيز على فاقدي السند الأسري من خريجي دور الرعاية بعد سن الثامنة عشرة، لحمايتهم من التحديات والاعتداءات التي قد يتعرضون لها نتيجة الوصمة المجتمعية ونظرة بعض أفراد المجتمع إليهم.
وأضافت أن فكرة المؤسسة بدأت بمبادرة شخصية عقب تلقيها تلك المكالمة الهاتفية، إذ أدركت أن الفتيات لا يحتجن إلى التدريب والتأهيل فقط، وإنما إلى سند عائلي وعاطفي يرافقهن في مراحل الحياة المختلفة، خاصة عند الزواج أو الإنجاب، وهو ما دفعها إلى البحث عن نموذج رعاية يحاكي الأسرة ويمنحهن الشعور بالأمان والانتماء.
وأوضحت جويحان أن المبادرات الملكية دعمت هذا التوجه من خلال إنشاء مشروع الرعاية اللاحقة للفتيات من عمر 18 إلى 24 عاما، داخل مبنى يضم تسع شقق سكنية يعمل وفق نظام "الأخت الكبرى"، بما يوفر بيئة أسرية آمنة تساعد الفتيات على استكمال تعليمهن، واكتساب المهارات المهنية، والاستعداد للاندماج في سوق العمل والاستقلال بحياتهن.
وأضافت أن المؤسسة تشمل رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة، بمن فيهم أشخاص من ذوي متلازمة داون، من خلال برامج تأهيل وتدريب تهدف إلى تعزيز استقلاليتهم وتحويلهم إلى أفراد منتجين قادرين على الاندماج في المجتمع.
وأشارت إلى أن برامج المؤسسة امتد إلى تدريب وتشغيل الشباب، إذ أسهمت في توفير فرص عمل لـ85 شابا في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، إلى جانب دعم قصص نجاح أكاديمية ومهنية في تخصصات مثل المحاسبة والقانون وغيرها.
وبينت أن المؤسسة أسست "مركز الأميرة تغريد للقياس والتشخيص"، معتمد رسميا ويقدم خدمات التقييم الأكاديمي والمهني للأطفال، إلى جانب تنفيذ حملات ميدانية، أبرزها "حملة موجودين لنكتشف بكير"، تستهدف الوصول إلى الأطفال في القرى والمناطق النائية وتشخيصهم مبكرا، بما يخفف الأعباء المالية عن أسرهم ويضمن حصولهم على الخدمات المناسبة.
وأكدت جويحان أن تمكين المرأة يمثل أحد المحاور الرئيسة في عمل المؤسسة، انطلاقاً من الإيمان بقدرتها على الإنتاج وإدارة أسرتها، لذلك تعمل على توفير مصادر دخل مستدامة للسيدات، خصوصا في المناطق النائية، بما يعزز استقلاليتهن الاقتصادية ويسهم في الحد من العنف الاقتصادي والاجتماعي الواقع عليهن.
وأوضحت أن المؤسسة اتجهت إلى المشاريع المستدامة "دار نعمة" لضمان استمرارية برامجها وتقليل الاعتماد على المنح الخارجية، إذ تدير اليوم 13 فرعا وسيتم افتتاح الفرع 14 قريبا من المطاعم والكافتيريات في مواقع استراتيجية.
وقالت إن فلسفة هذه المشاريع تقوم على تدريب سيدات القرى على التصنيع الغذائي والحرف اليدوية والطهي وإحياء الموروث الشعبي، وتشغيل الشباب في مجالات الإدارة والخدمة، وتخصيص زوايا لعرض منتجات السيدات، وشراء المواد الخام منهن، مثل المكدوس والزعتر، بما أسهم في محاربة "ثقافة العيب" وتحويل عمل المرأة إلى مصدر فخر للأسرة والمجتمع.
وأكدت أن رسالة المؤسسة ترتكز على خمس قيم أساسية هي: الإيمان، والمحبة، والكرامة، والامتنان، والعطاء. مستعرضة عددا من المبادرات الشبابية التي تنفذها المؤسسة.
واختتمت الدكتورة أغادير حديثها بالتأكيد أن المؤسسة تسعى إلى ردم الفجوات الاجتماعية وبناء الإنسان، مشيرة إلى أن كل ما تحقق بدأ بمكالمة هاتفية، ثم نما بفضل الإيمان بالفكرة، والدعم المتواصل.