في عالم الأعمال، لا تُقاس قوة المؤسسات بعدد موظفيها، ولا بحجم أرباحها فحسب، وإنما بقدرتها على الاستمرار بكفاءة واستقرار رغم تغير الأشخاص. فالموظفون يأتون ويغادرون، والمديرون يتبدلون، والأسواق تتغير، أما المؤسسة الراسخة فهي التي تحافظ على رسالتها وأدائها مهما تبدلت الوجوه.
من هذا المنطلق، فإن أخطر ما قد تواجهه أي مؤسسة ليس استقالة مدير ناجح، ولا انتقال مجموعة من موظفيها إلى شركة منافسة، فهذه أمور طبيعية في بيئة الأعمال الحديثة، بل إن المنافسة المشروعة والتنقل الوظيفي يمثلان جزءًا من ديناميكية السوق وتطوره.
الخطر الحقيقي يبدأ عندما تكتشف المؤسسة أن خروج عدد محدود من الأشخاص كان كافيًا لإرباك أعمالها، أو فقدان جزء من عملائها، أو تعطل عملياتها، أو حتى انتقال فريق كامل معهم.
عندها لا تعود المشكلة في الأشخاص، بل في النظام الذي سمح بأن تصبح المؤسسة معتمدة عليهم إلى هذا الحد.
إن المؤسسات التي تسمح، بقصد أو دون قصد، بتكوين 'مراكز قوة' خارج إطارها المؤسسي، تكون قد وضعت نفسها على طريق الخطر. فعندما يصبح العميل مرتبطًا بموظف أكثر من ارتباطه بالمؤسسة، أو يتعامل المورد مع شخص بعينه بدلًا من منظومة عمل واضحة، أو تتراكم المعرفة والخبرة داخل عقول أفراد دون توثيق أو مشاركة، فإن المؤسسة تبدأ تدريجيًا بفقدان أهم عناصر استدامتها.
في البداية قد يبدو ذلك نجاحًا إداريًا، فالإدارة ترى موظفًا استثنائيًا يحقق النتائج ويحمل أعباءً كبيرة، فتمنحه مزيدًا من الصلاحيات والثقة. لكن مع مرور الوقت، إذا لم تُحكم هذه الصلاحيات ضمن إطار واضح من الحوكمة وتوزيع المسؤوليات، فإن النجاح الفردي يتحول إلى نقطة ضعف مؤسسية.
والأخطر من ذلك، أن هذه المراكز لا تعمل بمعزل عن بعضها. فكلما امتلك أحدهم مفاتيح العملاء، وآخر شبكة الموردين، وثالث أسرار التشغيل، ورابع ولاء الفريق، أصبحت المؤسسة تعتمد على منظومة غير رسمية من النفوذ الشخصي، لا على هيكلها التنظيمي.
وحين تتقاطع مصالح هذه المراكز، أو تشعر بأنها أصبحت تمتلك من الخبرة والعلاقات ما يؤهلها للاستقلال، فإن خروجها الجماعي لا يكون الأزمة بحد ذاته، بل يكون النتيجة الطبيعية لمسار إداري طويل لم يُعالج في الوقت المناسب.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه:
هل تُدار مؤسستي بالأنظمة… أم بالأشخاص؟
فالمؤسسات الناضجة لا تسمح بأن تكون المعرفة حكرًا على فرد، ولا أن تُختزل العلاقات التجارية في موظف واحد، ولا أن يتوقف قسم كامل على مدير لا يعرف تفاصيل عمله غيره.
ولهذا أصبحت مفاهيم التعاقب الوظيفي (Succession Planning)، وإدارة المعرفة، وتوثيق الإجراءات، وتوزيع الصلاحيات، وبناء الصف الثاني من القيادات، وإدارة علاقات العملاء عبر أنظمة مؤسسية، من أهم ركائز الحوكمة الحديثة، ولم تعد ترفًا إداريًا أو خيارًا يمكن تأجيله.
وفي المقابل، فإن العدالة تقتضي ألا نفسر كل خروج جماعي على أنه مؤامرة أو سوء نية. فقد يكون انعكاسًا لغياب العدالة، أو ضعف التقدير، أو محدودية فرص التطور، أو لأن المؤسسة أخفقت في بناء بيئة عمل يشعر فيها الموظف بأن انتماءه لها، لا لشخص بعينه.
ولهذا فإن القائد الحقيقي لا يبدأ بإدانة من غادر، بل يبدأ بمراجعة المؤسسة التي يديرها. يراجع أنظمتها، وآلياتها، وثقافتها، وقدرتها على حفظ المعرفة، وبناء البدائل، وضمان استمرارية العمل.
فالهدف ليس محاربة الكفاءات، بل حماية المؤسسة من الاعتماد المطلق عليها.
وليس المطلوب تقليص تأثير القيادات المتميزة، بل تحويل هذا التأثير إلى قوة مؤسسية مستدامة، تنتقل من شخص إلى نظام، ومن خبرة فردية إلى ثقافة عمل، ومن نجاح مؤقت إلى نجاح قابل للاستمرار.
إن المؤسسة التي تتوقف حياتها المهنية على وجود شخص واحد، مهما بلغت كفاءته، هي مؤسسة لم تستكمل بناءها المؤسسي بعد.
أما المؤسسة الحقيقية، فهي التي تنجح في صناعة القادة، لا في الاعتماد عليهم، وتبني الأنظمة، لا الأشخاص، وتحافظ على استقرارها حتى عندما يقرر أفضل موظفيها أن يبدأوا طريقًا جديدًا.
وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الإدارية الأهم أن المؤسسات العظيمة لا تُقاس بقدرتها على الاحتفاظ بجميع موظفيها، وإنما بقدرتها على الاستمرار والنمو مهما تغيرت الأسماء.
فالقيادات تصنع الإنجازات…
أما الأنظمة الرشيدة، فهي التي تصنع المؤسسات الخالدة.
عضو مجلس إدارة غرفة تجارة العقبة
من هذا المنطلق، فإن أخطر ما قد تواجهه أي مؤسسة ليس استقالة مدير ناجح، ولا انتقال مجموعة من موظفيها إلى شركة منافسة، فهذه أمور طبيعية في بيئة الأعمال الحديثة، بل إن المنافسة المشروعة والتنقل الوظيفي يمثلان جزءًا من ديناميكية السوق وتطوره.
الخطر الحقيقي يبدأ عندما تكتشف المؤسسة أن خروج عدد محدود من الأشخاص كان كافيًا لإرباك أعمالها، أو فقدان جزء من عملائها، أو تعطل عملياتها، أو حتى انتقال فريق كامل معهم.
عندها لا تعود المشكلة في الأشخاص، بل في النظام الذي سمح بأن تصبح المؤسسة معتمدة عليهم إلى هذا الحد.
إن المؤسسات التي تسمح، بقصد أو دون قصد، بتكوين 'مراكز قوة' خارج إطارها المؤسسي، تكون قد وضعت نفسها على طريق الخطر. فعندما يصبح العميل مرتبطًا بموظف أكثر من ارتباطه بالمؤسسة، أو يتعامل المورد مع شخص بعينه بدلًا من منظومة عمل واضحة، أو تتراكم المعرفة والخبرة داخل عقول أفراد دون توثيق أو مشاركة، فإن المؤسسة تبدأ تدريجيًا بفقدان أهم عناصر استدامتها.
في البداية قد يبدو ذلك نجاحًا إداريًا، فالإدارة ترى موظفًا استثنائيًا يحقق النتائج ويحمل أعباءً كبيرة، فتمنحه مزيدًا من الصلاحيات والثقة. لكن مع مرور الوقت، إذا لم تُحكم هذه الصلاحيات ضمن إطار واضح من الحوكمة وتوزيع المسؤوليات، فإن النجاح الفردي يتحول إلى نقطة ضعف مؤسسية.
والأخطر من ذلك، أن هذه المراكز لا تعمل بمعزل عن بعضها. فكلما امتلك أحدهم مفاتيح العملاء، وآخر شبكة الموردين، وثالث أسرار التشغيل، ورابع ولاء الفريق، أصبحت المؤسسة تعتمد على منظومة غير رسمية من النفوذ الشخصي، لا على هيكلها التنظيمي.
وحين تتقاطع مصالح هذه المراكز، أو تشعر بأنها أصبحت تمتلك من الخبرة والعلاقات ما يؤهلها للاستقلال، فإن خروجها الجماعي لا يكون الأزمة بحد ذاته، بل يكون النتيجة الطبيعية لمسار إداري طويل لم يُعالج في الوقت المناسب.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه:
هل تُدار مؤسستي بالأنظمة… أم بالأشخاص؟
فالمؤسسات الناضجة لا تسمح بأن تكون المعرفة حكرًا على فرد، ولا أن تُختزل العلاقات التجارية في موظف واحد، ولا أن يتوقف قسم كامل على مدير لا يعرف تفاصيل عمله غيره.
ولهذا أصبحت مفاهيم التعاقب الوظيفي (Succession Planning)، وإدارة المعرفة، وتوثيق الإجراءات، وتوزيع الصلاحيات، وبناء الصف الثاني من القيادات، وإدارة علاقات العملاء عبر أنظمة مؤسسية، من أهم ركائز الحوكمة الحديثة، ولم تعد ترفًا إداريًا أو خيارًا يمكن تأجيله.
وفي المقابل، فإن العدالة تقتضي ألا نفسر كل خروج جماعي على أنه مؤامرة أو سوء نية. فقد يكون انعكاسًا لغياب العدالة، أو ضعف التقدير، أو محدودية فرص التطور، أو لأن المؤسسة أخفقت في بناء بيئة عمل يشعر فيها الموظف بأن انتماءه لها، لا لشخص بعينه.
ولهذا فإن القائد الحقيقي لا يبدأ بإدانة من غادر، بل يبدأ بمراجعة المؤسسة التي يديرها. يراجع أنظمتها، وآلياتها، وثقافتها، وقدرتها على حفظ المعرفة، وبناء البدائل، وضمان استمرارية العمل.
فالهدف ليس محاربة الكفاءات، بل حماية المؤسسة من الاعتماد المطلق عليها.
وليس المطلوب تقليص تأثير القيادات المتميزة، بل تحويل هذا التأثير إلى قوة مؤسسية مستدامة، تنتقل من شخص إلى نظام، ومن خبرة فردية إلى ثقافة عمل، ومن نجاح مؤقت إلى نجاح قابل للاستمرار.
إن المؤسسة التي تتوقف حياتها المهنية على وجود شخص واحد، مهما بلغت كفاءته، هي مؤسسة لم تستكمل بناءها المؤسسي بعد.
أما المؤسسة الحقيقية، فهي التي تنجح في صناعة القادة، لا في الاعتماد عليهم، وتبني الأنظمة، لا الأشخاص، وتحافظ على استقرارها حتى عندما يقرر أفضل موظفيها أن يبدأوا طريقًا جديدًا.
وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الإدارية الأهم أن المؤسسات العظيمة لا تُقاس بقدرتها على الاحتفاظ بجميع موظفيها، وإنما بقدرتها على الاستمرار والنمو مهما تغيرت الأسماء.
فالقيادات تصنع الإنجازات…
أما الأنظمة الرشيدة، فهي التي تصنع المؤسسات الخالدة.
عضو مجلس إدارة غرفة تجارة العقبة