إن الإنسان، كالأرض تمامًا، إن لم تُحرث وتُزرع أصبحت يابسة قاحلة، وإن لم تتحرك مياهها ركدت وتغيرت، وإن لم تُشعل فيها روح المبادرة خبت جذوة الحياة فيها. من هنا أبدأ مقالي: من لم يبذل... يذبل. فالبذل ليس مقصورًا على المال؛ بل هو أوسع من ذلك بكثير. هو بذل الوقت، وبذل العلم، وبذل الكلمة الطيبة، وبذل الخبرة، وبذل المشاعر الصادقة، وبذل الجهد في العمل، وبذل الرحمة في التعامل مع الناس. وكلما اتسعت دائرة العطاء في حياة الإنسان، اتسعت معها دائرة الحياة في داخله.
ولعل أجمل ما يلفت النظر أن العضلات التي لا تُستخدم تضعف، والعقل الذي لا يفكر يخبو، والمهارة التي لا تُمارس تتراجع، والعلاقة التي لا تُروى بالمودة تذبل، وكذلك القلب الذي لا يعرف العطاء تضيق آفاقه شيئًا فشيئًا. إنها سنة إلهية تجري على الإنسان كما تجري على الكون كله.
إننا نعيش في زمن كثرت فيه الدعوات إلى الأخذ، بينما قلَّ الحديث عن البذل. الجميع يسأل: ماذا سأكسب؟ وماذا سأحقق؟ وما الذي سأجنيه؟ لكن السؤال الأهم ربما يكون: ماذا سأقدم؟ فالأمم لا تنهض بما تأخذ، وإنما بما تمنح، والمجتمعات لا تتماسك بكثرة المطالب، وإنما بكثرة المبادرين إلى العطاء.
وليس البذل خسارة كما يظنه البعض، بل هو استثمار طويل الأمد. فالمعلم الذي يبذل علمه لا ينقص علمه، والطبيب الذي يبذل وقته يزداد خبرة، والوالدان اللذان يبذلان الحب والتربية يزرعان في أبنائهما مستقبلًا أكثر استقرارًا، والقائد الذي يبذل من أجل فريقه يربح الثقة قبل النتائج. وحتى الابتسامة الصادقة والكلمة المشجعة قد تغيّران يوم إنسان، وربما مسار حياته.
والأجمل من ذلك كله أن ديننا الحنيف ربط قيمة الإنسان بما يقدمه، لا بما يملكه. فخير الناس أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله ما دام نفعه متعديًا إلى الآخرين. فالمسلم القوي أحب إلى الله من الضعيف، ولذلك كان العطاء بابًا من أبواب البركة، يبارك في العمر، ويبارك في الرزق (ما نقص مال من صدقة)، ويبارك في الأثر الذي يبقى بعد رحيل صاحبه.
ولعل من أخطر مظاهر الذبول أن يعيش الإنسان لنفسه فقط. ينشغل بمصالحه الضيقة، ويحسب كل دقيقة بميزان الربح الشخصي، فيفقد شيئًا فشيئًا لذة المشاركة، ومتعة الإنجاز، وشعور الرسالة. وربما يملك المال والوقت، لكنه يفتقد المعنى، لأن الحياة لا تُقاس بما جمعناه، بل بما تركناه من أثر في قلوب الناس وفي واقعهم.
إن التاريخ لم يحفظ أسماء الذين عاشوا لأنفسهم، وإنما حفظ الذين بذلوا. حفظ العلماء لأنهم نشروا العلم، والمصلحين لأنهم حملوا هموم مجتمعاتهم، والمربين لأنهم صنعوا الأجيال، وأصحاب المبادرات لأنهم غرسوا الأمل حيث كان اليأس يخيّم. فالأثر الباقي لا يولد من الراحة، وإنما من البذل المستمر. وليس المطلوب أن يبذل الإنسان حتى يرهق نفسه أو يهمل حقها، فالإسلام دين التوازن، وإنما المطلوب ألا يتحول حب الراحة إلى أسلوب حياة، ولا الخوف من التعب إلى عذر دائم للتراجع عن أداء الرسالة. فالراحة محطة نستعيد فيها القوة، وليست غاية نقيم فيها إلى الأبد.
في الختام، يبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: ماذا أبذل كل يوم؟ فإن كان في يومك علم نفعته، أو يد أعنتها، أو قلبًا جبرته، أو فكرةً طورتها، أو عملًا أتقنته، فقد أضفت إلى حياتك حياة. فازدهار الإنسان لا يبدأ بما يأخذ، وإنما بما يعطي. ومن ظن أن العطاء يُنقصه، فاته أن أعظم قوانين الحياة تقول: أن ما يُبذل ينمو، وما يُحبس يذبل. ولذلك ستظل الحقيقة الخالدة: من لم يبذل... يذبل.