كتاب

الاقتصاد في النصف الاول من 2026.. ماذا تقول المؤشرات؟

تعكس المؤشرات الاقتصادية مع نهاية النصف الأول من العام قدرة المملكة على إدارة اقتصادها وسط بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، وتقيس مستوى الثقة بالسياسات العامة، ومدى نجاحها في تحويل التحديات إلى فرص، ولأن القوة الاقتصادية أحد أهم محددات النفوذ السياسي، تكتسب هذه المؤشرات أهمية تفوق بعدها الاقتصادي لتصبح مؤشرا على قوة الدولة وقدرتها على تعزيز حضورها الإقليمي والدولي.
وتأتي قراءة الأداء الاقتصادي الأردني في وقت ما تزال فيه المنطقة تواجه تداعيات الأزمات الجيوسياسية، وتقلبات التجارة العالمية، والمنافسة على جذب الاستثمارات، وإعادة رسم الممرات الاقتصادية. ورغم هذه البيئة المعقدة فقد أظهرت البيانات الرسمية والدولية الصادرة حتى الآن استمرار الاقتصاد الأردني في تحقيق نمو متوازن، إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.9% خلال الربع الأول من العام الجاري مقارنة بـ 2.7% في الفترة نفسها من العام الماضي، وهو أداء فاق توقعات بعض المؤسسات الدولية، ويعكس قدرة الاقتصاد على المحافظة على مسار تصاعدي تدريجي.
ويكتسب هذا النمو أهمية خاصة لأنه تحقق في ظل ظروف إقليمية فرضت ضغوطًا على العديد من اقتصادات المنطقة، الأمر الذي يعكس متانة البيئة الاقتصادية الأردنية، وأثر برامج الإصلاح التي استهدفت تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز تنافسية القطاعات الإنتاجية، وتوسيع مساهمة الاستثمار والاقتصاد الرقمي في النمو.
كما تشير بيانات التضخم إلى استمرار استقرار الأسعار، إذ بلغ معدل التضخم في شهر أيار الفائت 1.88%، وهو مستوى يعزز القوة الشرائية نسبيا، ويوفر بيئة أكثر استقرارا للنشاط الاقتصادي والاستثماري، ويمنح السياسة النقدية مساحة أوسع للحفاظ على التوازن بين دعم النمو والحفاظ على الاستقرار النقدي.
وتعزز الاحتياطيات الأجنبية هذه الصورة، بعدما ارتفعت إلى نحو 27.18 مليار دولار بنهاية أيار، وهو مستوى يعكس قوة المركز المالي للمملكة، ويعزز الثقة بالدينار الأردني، ويرفع قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية، وتأمين احتياجات المملكة من الواردات والوفاء بالتزاماتها المالية.
وتنسجم هذه النتائج مع تقديرات المؤسسات المالية الدولية، إذ يتوقع كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أن يحقق الاقتصاد الأردني نمواً يقارب 2.7% خلال عام 2026 مع بقاء التضخم عند مستويات منخفضة، وهو ما يعكس استمرار الثقة الدولية بالاقتصاد الأردني وبمسار الإصلاح الاقتصادي الذي تنفذه المملكة.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه المؤشرات تكمن في دلالاتها السياسية، لا سيما وأن الاقتصاد المستقر يمنح الدولة قدرة أكبر على الحركة في محيطها الإقليمي، ويعزز ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين، ويرفع جاذبية المملكة للمشروعات الكبرى والاستثمارات النوعية، وفي المقابل، تصبح الإنجازات الاقتصادية رصيدا سياسيا يعزز مكانة الأردن بوصفه دولة تمتلك مؤسسات مستقرة، وسياسات اقتصادية متوازنة، ورؤية واضحة للإصلاح.
كما تعزز هذه المؤشرات قدرة الأردن على الاستفادة من التحولات التي يشهدها الإقليم، خاصة مع تزايد الاهتمام بالممرات التجارية، والاستثمارات الصناعية، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والاقتصاد الرقمي، حيث أن الدول التي تتمتع باستقرار اقتصادي ومؤسسات فاعلة تكون أكثر قدرة على جذب الفرص، وتحويل موقعها الجغرافي إلى ميزة تنافسية حقيقية.
ومع ذلك، يتمثل التحدي الأهم في المرحلة المقبلة في القدرة ترجمة هذه المؤشرات إلى نتائج يشعر بها المواطن بصورة مباشرة، عبر الاستمرار في تكثيف الجهود وتركيزها نحو مسارات تتعلق بتوسيع فرص العمل، وتحسين مستويات الدخل، وتحفيز الاستثمار في المحافظات، وتعزيز الإنتاجية، وتسريع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز العدالة في توزيع ثمار التنمية، وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع.
وفي المحصلة، تقدم نتائج النصف الأول من عام 2026 رسالة واضحة مفادها أن الاقتصاد الأردني يواصل تعزيز قدرته على التكيف مع المتغيرات، مستندا إلى الاستقرار والإصلاح والانفتاح على الفرص، وتتطلب عملية المحافظة على هذا المسار مواصلة البناء على ما تحقق، وتحويل المؤشرات الإيجابية إلى إنجازات تنموية مستدامة، لأن الاقتصاد أصبح أحد أهم أدوات القوة السياسية للدولة، وعنوانا لمكانتها بالنظر إلى قدرتها على تحقيق النمو والاستقرار معا رغم ما يواجهه الإقليم من أزمات وحروب.