كتاب

مدريد.. عاصمة التنظيم والبيئة الجمالية

لا تكشف المدن العظيمة عن جمالها في مبانيها التاريخية وحدها، وإنما في التفاصيل الصغيرة التي يعيشها الإنسان كل يوم؛ في الشارع، والحديقة، وإشارة المرور، وطريقة تعامل الناس مع بعضهم بعضاً. ومن بين المدن التي تترك هذا الانطباع العميق في النفس تبرز مدريد، عاصمة إسبانيا، التي يرى عدد من الباحثين أن اسمها يرتبط بالجذور العربية، إذ عُرفت في العهد العربي الإسلامي باسم «مجريط»، وهو اسم يُرجَّح أنه مشتق من كثرة مجاري المياه والينابيع التي اشتهرت بها المنطقة آنذاك. وفيما كنت أتجول في هذه المدينة خلال زيارتي الحالية، لفتني مشاهد عديدة تمنيت لو نستلهم منها ما يجعل عاصمتنا الحبيبة عمّان ومدننا الأخرى العزيزة أكثر جمالاً وتنظيماً وراحةً لسكانها وزائريها.
أول هذه المشاهد هي النظافة التي تكاد تصبح جزءاً من هوية المدينة. فمن النادر جداً أن تقع عينك على نفاية ملقاة في الشارع، أو رصيف مهمل، او حفرة في شارع، أو زاوية تعاني من الفوضى. كل شيء يبدو منظماً بعناية؛ الأرصفة، والشوارع، والحدائق، وحتى أماكن جمع النفايات، فالكثير منها مدفون تحت الارض، فلا ترى حاويات ضخمة فوق الشارع.
والنظافة هنا ليست مسؤولية البلدية وحدها، بل هي ثقافة عامة يلتزم بها الجميع. فالمدينة تعكس احترام سكانها للمكان الذي يعيشون فيه، وهو درس مهم لكل مدينة تطمح إلى الارتقاء بجودة الحياة فيها. وأغلب الأماكن يتواجد فيها حاويات بالوان مختلفة لتصنيف النفايات حسب النوع لتسهيل إعادة تدويرها لتمويل خطة تنمية الاقتصاد الدائري الاخضر.
ولا يقل احترام القانون أهمية عن النظافة. ففي مدريد تمتثل المركبات لأنظمة السير بصورة لافتة، وخاصة فيما يتعلق بحقوق المشاة. فما إن يقترب شخص من ممر المشاة حتى تتوقف السيارات القادمة من الاتجاهين، وتنتظر بهدوء حتى يعبر الطريق بأمان، ثم تتابع سيرها. وفي المقابل، يلتزم المشاة أيضاً باستخدام المعابر المخصصة لهم، فلا يقطعون الطريق عشوائياً. إنها علاقة تقوم على الاحترام المتبادل، لا على فرض القوة أو تهور المركبة، وهو ما يجعل الحركة أكثر أماناً وانسيابية للجميع.
ومن أكثر ما شد انتباهي أيضاً طريقة تنظيم السير في وسط مدريد. فعلى الرغم من أن المدينة، كغيرها من العواصم الكبرى، تشهد ازدحاماً في بعض الأوقات، إلا أن الأزمة لا تُقارن بما تعانيه عواصم كثيرة حول العالم. ويعود ذلك إلى سياسة واضحة تحد من دخول المركبات الخاصة إلى قلب المدينة. فعند مداخل المنطقة المركزية تظهر خطوط حمراء ولافتات تشير إلى أن الدخول مقصور على المركبات المصرح لها. وتُمنح هذه التصاريح عادة للعاملين في القطاعات الحيوية، مثل المشافي والأجهزة الأمنية والخدمات الأساسية، بينما يستطيع من عنده ضرورة ملحة الدخول بالاشتراك في نظام شهري يمنحه ملصقاً إلكترونياً على مركبته، تتعرف إليه الكاميرات تلقائياً وتسمح له بالمرور دون مخالفة.
ولعل هذه التجربة تستحق الدراسة في عمّان، ليس بهدف التضييق على المواطنين، وإنما لتشجيعهم على استخدام وسائل النقل العام، أو المركبات الجماعية الخاصة بالجامعات والمؤسسات الكبرى والدوائر الحكومية، بما يخفف الازدحام، ويقلل استهلاك الوقود، ويحسن جودة الهواء، ويجعل المدينة أكثر راحة للجميع.
أما اللون الأخضر، فهو حاضر في مدريد بصورة تبعث على البهجة. فالحدائق الكبيرة والصغيرة تنتشر في أنحاء المدينة، كما تتوزع المساحات المزروعة بين الشوارع والميادين بشكل مدروس. ومن اللافت أن بعض الشوارع التي خُففت فيها حركة المركبات تحولت أجزاء منها إلى مساحات خضراء ومناطق للجلوس وألعاب للأطفال، بعد الاستغناء عن بعض مسارب السيارات. وهكذا تتحول المساحة التي كانت مخصصة للسيارات إلى مكان يستمتع فيه الناس بالطبيعة والهواء النقي، في رسالة واضحة بأن المدينة ينبغي أن تُبنى للإنسان أولاً.
وبالحديث عن الأطفال، فإن الاهتمام بهم يلفت النظر في كل مكان. فألعاب الأطفال، من المراجيح والسحاسيـل وغيرها، تنتشر في الحدائق والأحياء السكنية بصورة واسعة، بحيث لا تكاد تخلو منطقة خضراء منها. كما تضم كثير من الحدائق نوافير وشلالات مائية صغيرة تتيح للأطفال الاستمتاع بالماء وتخفف عنهم حرارة الصيف، كما هو الحال في هذه الأيام من شهر تموز. إنها مرافق بسيطة في فكرتها، لكنها كبيرة في أثرها على جودة حياة الأسرة والطفل، وتعزز ارتباط الناس بالحدائق العامة وببلدهم.
ومن الجوانب التي تستحق التقدير أيضاً سهولة الإجراءات وحسن التعامل مع الزوار. فعلى الرغم من أن كثيراً من الإسبان لا يتحدثون لغات أجنبية بطلاقة، ويفضلون استخدام لغتهم الإسبانية، فإنهم يبذلون جهداً صادقاً لمساعدة الضيف، مستخدمين الإشارات أو تطبيقات الترجمة أو أي وسيلة ممكنة لتقديم العون. كما يلفت النظر اهتمام الإسبان الكبير بقضايا مدينتهم ووطنهم، وحرصهم على الحفاظ على الممتلكات العامة واحترام النظام، وهي قيم لا تُفرض بالقوانين وحدها، بل تنمو عبر التربية والوعي والشعور بالانتماء.
إن مدريد ليست مدينة جميلة لأنها تملك القصور والمتاحف والساحات التاريخية فحسب، بل لأنها نجحت في تحويل الحضارة إلى سلوك يومي يمارسه الجميع. والجمال الحقيقي ليس في الحجر وحده، وإنما في الإنسان الذي يحترم النظام، ويحافظ على البيئة، ويمنح الأولوية للمشاة والأطفال والمساحات الخضراء.
ولعل أجمل ما يمكن أن نحمله معنا من زيارة المدن الناجحة ليس صورها التذكارية، بل أفكارها وتجاربها الملهمة. فحين نتعلم من الآخرين، ونطوع أفضل تجاربهم بما يناسب واقعنا، نكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح لبناء مدن أكثر إنسانية، وأكثر جمالاً واخضرارا، وأكثر استحقاقاً لأحلام الأجيال القادمة.