عالمياً، ما زال الهيدروجين النظيف في بداياته. فالوكالة الدولية للطاقة تشير إلى أن إنتاج الهيدروجين منخفض الانبعاثات نما في عام 2024، لكنه لا يزال يمثل أقل من 1% من الإنتاج العالمي، في حين ما زال معظم الهيدروجين ينتج من الغاز والفحم. غير أن الاتجاه طويل الأجل واضح: إزالة الكربون من الصناعات الثقيلة، والأسمدة، والنقل البحري، والطيران، والصلب، والكيماويات سيحتاج إلى كميات متزايدة من الهيدروجين ومشتقاته. ومع ذلك، خفّضت الوكالة في مراجعاتها الأخيرة توقعات الإنتاج منخفض الانبعاثات بحلول 2030 بسبب ارتفاع الكلف وتأخر المشاريع، ما يعني أن السوق واعدة لكنها ليست مضمونة.
تقديرات الطلب العالمي تختلف بحسب السيناريوهات؛ فبعض الدراسات تضع الطلب العالمي على الهيدروجين بحلول 2050 بين 150 و500 مليون طن سنوياً، تبعاً لسرعة التحول المناخي والصناعي. أما بحلول 2030، فإن الطلب التجاري المؤكد ما زال محدوداً نسبياً، إذ يقدر مجلس الهيدروجين أن نحو 8 ملايين طن سنوياً من الطلب النظيف قد يتبلور في أوروبا والولايات المتحدة واليابان وكوريا، شريطة تنفيذ السياسات الحالية ووجود عقود شراء ملزمة.
في المنطقة، المنافسة شديدة. السعودية دخلت السباق بمشروع نيوم للهيدروجين الأخضر، باستثمار يبلغ 8.4 مليار دولار، وهو مشروع صناعي ضخم لإنتاج الهيدروجين وتحويله إلى أمونيا خضراء للتصدير. وسلطنة عُمان تسعى إلى أن تصبح لاعباً عالمياً، إذ قد يتطلب الوصول إلى مليون طن من الهيدروجين المتجدد بحلول 2030 استثمارات تقارب 33 مليار دولار. أما مصر فتطرح نفسها كمركز إقليمي بفضل قناة السويس والسوق الصناعية الواسعة، وتستهدف استثمارات كبيرة قد تصل إلى 60 مليار دولار بحلول 2040، مع تقديرات رسمية بأن القطاع قد يضيف 18 مليار دولار للناتج المحلي ويوفر أكثر من 100 ألف فرصة عمل. والمغرب يمتلك ميزة القرب من أوروبا والموارد الشمسية والريحية، وأطلق "العرض المغربي" (مصطلح تستخدمه الحكومة المغربية للإشارة إلى حزمة متكاملة من الأراضي، والبنية التحتية، والحوافز، والإطار التنظيمي التي تعرضها للمستثمرين لتطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر ومشتقاته كالأمونيا الخضراء، والميثانول الأخضر، والوقود الاصطناعي)، بهدف جعل المغرب منصة عالمية للإنتاج والتصدير ولجذب مشاريع متكاملة من الكهرباء المتجددة إلى التحليل الكهربائي والصناعات النهائية.
أين يقع الأردن في هذا المشهد؟ ميزته ليست في الحجم، بل في التركيز. فالأردن يمتلك إشعاعاً شمسياً عالياً، وخبرة متنامية في الطاقة المتجددة، وميناء العقبة، وقاعدة صناعية في الفوسفات والأسمدة، وهي عناصر يمكن أن تجعل الهيدروجين الأخضر مدخلاً لصناعة الأمونيا الخضراء والأسمدة منخفضة الكربون. كما تشير الاستراتيجية الوطنية الأردنية إلى أن كلفة إنتاج الهيدروجين في المدى الطويل قد تنخفض إلى حدود 1.8–2.2 دولار/كغم، إذا توفرت الكهرباء المتجددة الرخيصة، والبنية التحتية، والمياه المحلاة.
وقد بدأ الأردن بالفعل بالانتقال من مرحلة المذكرات إلى مرحلة المشاريع. ففي عام 2026، أُعلن عن مشروع في العقبة لإنتاج الأمونيا والهيدروجين الأخضر بتكلفة تقارب 1.6 مليار دولار، كما جرى الإعلان عن اتفاقية استثمارية أخرى بأكثر من مليار دولار لإنتاج 100 ألف طن من الأمونيا الخضراء سنوياً باستخدام الطاقة الشمسية ومياه البحر المحلاة.
لكن التحديات واضحة. أولها المياه؛ فإنتاج الهيدروجين يحتاج إلى مياه عالية النقاء، وتشير دراسات فنية إلى أن إنتاج كيلوغرام واحد من الهيدروجين الأخضر قد يحتاج تقريباً إلى 13 كيلوغراماً من المياه عالية النقاء، ما يجعل ربط المشاريع بالتحلية في العقبة شرطاً أساسياً لا خياراً ثانوياً. وثانيها التمويل؛ فالمشاريع تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة وعقود شراء طويلة الأجل. وثالثها أن تصدير الهيدروجين الخام أقل جدوى من تحويله إلى أمونيا خضراء أو أسمدة أو وقود صناعي، حيث تكون القيمة المضافة أعلى.
اقتصادياً، يمكن للأردن أن يستهدف سيناريو واقعياً لا يقوم على منافسة السعودية أو عُمان في الحجم، بل على بناء قطاع متخصص. فإذا نجح في جذب استثمارات تراكمية بين 5 و10 مليارات دولار خلال العقدين المقبلين، فقد يضيف القطاع بين 2 و4% إلى الناتج المحلي عند اكتمال سلاسل الإنتاج، ويوفر ما بين 20 و40 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة في الطاقة، والهندسة، والإنشاءات، والكيماويات، والخدمات اللوجستية. هذه ليست توقعات مضمونة، بل سيناريو تنموي مشروط بوجود عقود تصدير، ومياه محلاة، وكهرباء متجددة رخيصة، وربط صناعي مع الفوسفات والأسمدة والعقبة.
ولعل الأردن يحتاج اليوم إلى ما يمكن تسميته "العرض الأردني للهيدروجين الأخضر"؛ أي حزمة استثمارية وتنظيمية واضحة تقدم للمستثمرين رؤية مكتملة، لا مجرد مشاريع منفصلة. فالمستثمر العالمي لا يبحث عن الشمس وحدها، بل عن أرض مخصصة، ومياه محلاة، وكهرباء متجددة، وميناء جاهز، وقواعد تسعير واضحة، وإجراءات ترخيص سريعة، وضمانات تنظيمية، وسوق محتملة لمشتقات الهيدروجين مثل الأمونيا الخضراء والأسمدة منخفضة الكربون.
وبهذا المعنى، فإن نجاح الأردن في سباق الهيدروجين الأخضر لن يعتمد فقط على امتلاك الموارد الطبيعية، بل على قدرته على تحويلها إلى عرض استثماري مقنع. فكما أطلق المغرب "العرض المغربي" لاستقطاب المستثمرين في هذا القطاع، يستطيع الأردن أن يطور "العرض الأردني" انطلاقاً من مزاياه الخاصة: العقبة، والطاقة الشمسية، وصناعة الفوسفات والأسمدة، والاستقرار المؤسسي، والقرب النسبي من الأسواق الأوروبية والإقليمية.
الخلاصة أن الهيدروجين الأخضر ليس عصاً سحرية، وليس مشروع طاقة فقط. إنه سياسة صناعية متكاملة. ولن تقاس فرصة الأردن بعدد مذكرات التفاهم، بل بعدد المصانع التي تبنى، والوظائف التي تخلق، والصادرات التي تغادر ميناء العقبة. فإذا أحسن الأردن التخطيط، فقد لا يكون أكبر لاعب في سوق الهيدروجين، لكنه يستطيع أن يكون ضمن أذكاهم