خبراء: أزمة المياه في الأردن نتاج حوكمة لا ندرة موارد فقط
01:01 5-7-2026
آخر تعديل :
الأحد
أشار خبراء ومختصون في الشأن المائي إلى أن أزمة المياه في الأردن لم تعد قابلة للتفسير بالندرة الطبيعية وحدها، مؤكدين أن الأوان قد حل لإدراج الحق في المياه كالتزام قانوني واجب الإعمال.
ولفت الخبراء إلى أن الأردن يُصنَّف من بين أفقر خمس دول في العالم مائيا، إذ لا يتجاوز نصيب الفرد من الموارد المتجددة سنويا 100 متر مكعب، وهو ما يقل عن خط الفقر المائي العالمي البالغ 500 متر مكعب للفرد سنويا، ما يضع المملكة ضمن نطاق 'الندرة المطلقة'، مقارنة بنحو 3000 متر مكعب للفرد في ستينيات القرن الماضي، قبل أن يتراجع هذا النصيب بشكل حاد نتيجة تضاعف عدد السكان أكثر من عشر مرات مقابل ثبات نسبي في حجم الموارد المتجددة.
جاء ذلك خلال مؤتمر إطلاق تقرير 'الراصد العربي 2025' حول الحق في المياه وتغير المناخ، الذي انطلقت أعماله اليوم في عمان بتنظيم من الشبكة العربية للمنظمات غير الحكومية للتنمية بالشراكة مع جمعية ديبين للتنمية البيئية، وبمشاركة باحثين وخبراء من الأردن ومصر وتونس وقطر ولبنان والعراق وفلسطين واليمن وسوريا، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات دولية ومحلية معنية بالشفافية والمساعدة القانونية والمناصرة البيئية.
وقالت هلا مراد، المديرة التنفيذية لجمعية ديبين للتنمية البيئية، إن الحديث عن الحق في المياه لا يكتمل إذا بقي محصورا في لغة البنية التحتية أو الندرة أو المشاريع الكبرى وحدها، مشددة على ضرورة السؤال الدائم: كيف تُدار المياه؟ ومن يصل إليها؟ ومن يتحمل كلفتها؟ ومن يشارك في القرار؟ ومن يبقى خارج الحسابات؟ وأكدت أن ما تدفعنا إليه هذه التقارير هو الانتقال من إدارة الندرة إلى مساءلة الحرمان.
من جانبه، قال الدكتور ثائر المومني، مساعد أمين عام وزارة المياه والري للشؤون الفنية، إن الأردن يتعامل مع ملف المياه بوصفه أولوية وطنية عليا، في ظل تحديات مركبة تتمثل في محدودية الموارد وتراجع معدلات الهطول المطري وازدياد الطلب وارتفاع كلف الطاقة والتشغيل وضغوط النمو السكاني، مبينا أن الاستراتيجية الوطنية للمياه 2023-2040 تركز على أمن التزويد وخفض الفاقد وحماية المياه الجوفية وتحسين الحوكمة.
وبحسب الاستراتيجية الوطنية، فإن نصيب الفرد الفعلي من المياه يبلغ حاليا نحو 61 مترا مكعبا سنويا، مع توقعات بانخفاضه إلى نحو 35 مترا مكعبا بحلول عام 2040 في حال استمرار أنماط الطلب والإدارة الحالية. وتبلغ الموارد المائية المتاحة سنويا نحو مليار متر مكعب، في حين يتجاوز الطلب الكلي 1.4 مليار متر مكعب، ما ينتج عنه عجز سنوي يقدَّر بين 350 و400 مليون متر مكعب. وتشير تقارير دولية إلى احتمال انخفاض معدلات الهطول المطري بنسبة تتراوح بين 10% و20% بحلول منتصف القرن، مع ارتفاع في درجات الحرارة بمقدار 1.5 إلى 2.5 درجة مئوية، ما يزيد من معدلات التبخر ويقلص فعالية الموارد السطحية والجوفية.
وأظهر التقرير أن نسبة الفاقد المائي في الشبكات بلغت نحو 42% من إجمالي المياه المضخّة، رغم تسجيل تحسن تدريجي في هذه النسبة خلال السنوات الأخيرة. كما تبيّن أن التزويد في معظم مناطق المملكة لا يتم سوى مرة واحدة أسبوعيا في المتوسط، مع تفاوت واضح بين المحافظات، إذ قد يصل دور التزويد في بعض المناطق إلى 10-14 يوما مقارنة بمناطق أخرى أكثر انتظاما، وهو ما يرتبط، بحسب التقرير، بضعف البنية التحتية في المناطق الأشد هشاشة.
وبيّن التقرير أن الفقر المائي في الأردن لا يُقاس بالدخل النقدي وحده، بل بمدى قدرة الأسر على تحمل الكلفة الفعلية للمياه في ظل نظام تزويد متقطع، إذ تتسع الفجوة بين التعرفة الرسمية والكلفة الفعلية لتغدو فجوة بنيوية، وتصل كلفة المتر المكعب عبر صهاريج الشراء أحيانا إلى ما بين 5 و8 دنانير أردنية خلال أشهر الصيف. كما أشار إلى أن اللاجئين، الذين يستضيف الأردن منهم أكثر من 1.3 مليون لاجئ منذ عام 2011، شكلوا ضغطا إضافيا على شبكات المياه في محافظات الشمال والوسط، في حين لا تزال بيانات الأثر المصنفة بحسب النوع الاجتماعي والموقع الجغرافي والإعاقة شحيحة، رغم أن نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة في الأردن تتجاوز 10% من السكان.
وخلص التقرير إلى مجموعة من التوصيات القانونية والمؤسسية والسياساتية، أبرزها النص صراحة على الحق في المياه في التشريعات الوطنية ومواءمتها مع المعايير الدولية، وسنّ تشريعات تُلزم الدولة بمراقبة جودة المياه وتوفيرها بانتظام لجميع السكان، وإقرار قانون خاص للمياه، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية بقطاع المياه وتقوية القدرات الفنية والإدارية في إدارة الطلب وتقليل الفاقد، وتعزيز الشفافية عبر نشر بيانات التوزيع المائي. كما أوصى التقرير بدمج حقوق الإنسان في الاستراتيجية الوطنية للمياه، وتطبيق سياسة تسعير عادلة تراعي الفئات ذات الدخل المحدود، والانضمام إلى اتفاقية هلسنكي لعام 1992، والاستثمار في التحلية والطاقة المتجددة، إضافة إلى ربط قطاع المياه بالأمن الغذائي والصحي ضمن إطار متكامل، وإدراج مؤشرات قابلة للقياس لمتابعة التقدم في إعمال الحق في المياه.