في الوقت الذي تتصدر فيه التحذيرات الصحية واجهات الأخبار مع موجات الحر الشديدة التي تجتاح الولايات المتحدة وأجزاء واسعة من القارة الأوروبية، يراقب خبراء الاقتصاد والأسواق المالية وجهاً آخر للأزمة؛ يتمثل في القفزات الحادة للطلب على الطاقة، وتراجع إنتاجية العمالة، وضغوط سلاسل الإمداد، وتأتي هذه التحديات في ظرف دقيق تحاول فيه الاقتصادات الكبرى كبح التضخم واستعادة زخم النمو.
ولم تعد المؤسسات الاقتصادية العالمية تنظر إلى موجات الحر بوصفها ظاهرة موسمية عابرة، بل باتت تُصنفها كمخاطرة هيكلية ممتدة تؤثر في الإنتاج، والاستثمار، والمالية العامة، والسياسات النقدية لسنوات مقبلة.
تراجع الإنتاجية واستهلاك الطاقة
ويرى المحللون أن الكلفة الأكبر للمناخ المتطرف لا تنحصر في ارتفاع فواتير الطاقة فحسب، بل في تراجع إنتاجية العمل. وفي هذا الصدد، يوضح كبير اقتصاديي المناخ في مؤسسة 'أكسفورد إيكونوميكس'، روبرت ماركس، أن تجاوز درجات الحرارة حاجز منتصف الثلاثينيات والأربعينيات مئوية يتسبب في خسائر إنتاجية ملموسة، ويعطل قطاعات حيوية كالبناء، والزراعة، والتصنيع، والتجزئة، والضيافة، وهي أنشطة تشكل نحو 35% من قوام اقتصاد أوروبا الغربية.
ويُقدّر ماركس أن موجة حر تستمر لأربعة أيام فقط كفيلة بخفض نمو إنتاجية العمل الفصلية بما يصل إلى نقطتين مئويتين في أوروبا الغربية، ونحو 1.5 نقطة مئوية في المملكة المتحدة، محذراً من تقويض النمو الاقتصادي ما لم يجرِ تحديث البنية التحتية وبيئات العمل لتتلاءم مع المناخ الجديد. كما تتوقع منظمة العمل الدولية أن يكون قطاعا الزراعة والبناء الأكثر تضرراً في ساعات العمل بحلول عام 2030 نتيجة الإجهاد الحراري.
30 درجة مئوية.. العتبة الحرجة للاقتصاد
وحدد تقرير صادق عن مجموعة 'أليانز' المالية عتبة 30 درجة مئوية بوصفها 'نقطة التحول' الاقتصادية؛ إذ تبدأ الخسائر في التسارع بعد هذا المستوى مع كل درجة إضافية. فبينما قد تستفيد بعض الدول شتاءً من انخفاض تكاليف التدفئة، فإن تجاوز هذا الحد يعكس الآية تماماً، حيث ترتفع احتياجات التبريد وتنخفض الكفاءة الإنتاجية.
ويشير التقرير إلى أن الإنتاج لكل ساعة عمل ينخفض بنسبة تقارب 3% لكل درجة مئوية إضافية تتراوح بين 30 و35 درجة، في حين يقفز استهلاك الطاقة بنحو 1.2% لكل درجة؛ ما يضع الشركات بين مطرقة تراجع الإنتاج وسندان ارتفاع تكاليف التشغيل، الأمر الذي يضغط على هوامش الأرباح ويدفع بالشركات لنقل هذه التكاليف إلى المستهلك النهائي.
ضغوط على أسواق الطاقة والسيناريوهات المحتملة
وتعد أسواق الطاقة أول المستجيبين لهذه الصدمات، حيث يؤدي الاستخدام المكثف لأجهزة التبريد إلى ذروة استهلاك الكهرباء والغاز. وفي الولايات المتحدة، دفعت الموجة الأخيرة وزارة الطاقة لإصدار أمر طارئ يسمح بتشغيل وحدات توليد إضافية لضمان استقرار الإمدادات في شبكة 'PJM Interconnection'، وهي الأكبر في البلاد. أما في أوروبا، فقد قفزت أسعار الكهرباء، واضطرت بعض محطات الطاقة النووية لفرض قيود تشغيلية مؤقتة بسبب ارتفاع حرارة المياه المستخدمة في أنظمة التبريد.
ولا تقف التداعيات عند هذا الحد، بل تحذر 'أليانز' من أن استمرار هذه المعطيات قد يدخل الاقتصادات في نفق 'الركود التضخمي'؛ حيث يتزامن التضخم المرتفع مع تباطؤ النمو، وهو السيناريو الأكثر تعقيداً أمام البنوك المركزية للموازنة بين دعم الأسواق وكبح الأسعار.
وفي سيناريو افتراضي أعدته المجموعة لقياس حجم المخاطر للفترة بين عامي 2026 و2030، تبين أن الخسائر التراكمية في الناتج المحلي الإجمالي قد تصل إلى ما بين 5% و7% في الاقتصادات الأوروبية الأكثر عرضة للحرارة، مع خسائر تقديرية قد تبلغ 240 مليار دولار في فرنسا، و147 ملياراً في إيطاليا، و131 ملياراً في ألمانيا، و120 مليار دولار في إسبانيا.
وتؤكد أبحاث السياسات في 'أليانز' أن الوقت قد حان للتوقف عن التكيف مع الحرارة كأزمة صيفية عابرة، والبدء في التعامل معها كتحدٍّ دائم للسياسات الاقتصادية والمالية، مما يفرض الإسراع في وتيرة الاستثمارات الرأسمالية لتحديث المباني، وشبكات الطاقة، لتأمين الاستقرار المالي المستقبلي.