النقل العام.. استثمار اقتصادي ينعكس على معيشة المواطنين وجودة الحياة
أكد خبراء اقتصاديون أن التوسع في النقل المدرسي المنتظم، وتطوير شبكة الباص السريع الذي تقوم به الحكومة، يسهمان في تخفيف الأعباء المالية على الأسر الأردنية من خلال تقليل الاعتماد على المركبات الخاصة وخفض كلف الوقود والصيانة والنقل اليومي.
ولفت الخبراء، في أحاديث لـ« الرأي »، إلى أن تحسين النقل العام يخفف الضغط على استخدام المركبات الخاصة، ويقلل من كلف الوقود والصيانة والازدحام، ويمنح المدن قدرة أكبر على الحركة والانسيابية، وهي عناصر أساسية لأي اقتصاد يريد أن يرفع تنافسيته وجودة الحياة فيه في آن واحد.
ويشهد قطاع النقل المدرسي في الأردن تطورًا ملحوظًا تقوده وزارة النقل وهيئة تنظيم النقل البري، حيث أقرت الحكومة نظامًا جديدًا لترخيص مقدمي خدمات النقل، وأطلقت مشروع النقل المدرسي المجاني في محافظات الجنوب لضمان رحلات آمنة ومراقبة إلكترونيًا للطلبة.
ووفق بيانات سابقة صادرة عن هيئة تنظيم النقل البري، تشغل 28 شركة 2190 حافلة ضمن أسطول شركات النقل المدرسي حتى شهر حزيران من العام الماضي.
وأشارت البيانات إلى ارتفاع أسطول شركات النقل المدرسي بـ834 مركبة خلال عامين، حيث بلغ أسطول شركات النقل المدرسي في شهر حزيران 2023 نحو 1359 مركبة.
وأوضحت بيانات الهيئة بشأن شهر حزيران أن عدد أسطول وسائط النقل العام (الحافلات، وسيارات الركوب المتوسطة، والركوب الصغيرة، والتاكسي) بلغ 40274 مركبة.
بدوره، أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن الاستثمار في النقل العام لم يعد مشروعًا خدميًا يقتصر على تسهيل تنقل المواطنين، بل أصبح ضرورة اقتصادية تمس الإنتاجية، وكلفة المعيشة، وجاذبية الاستثمار، وجودة الحياة. وأضاف أن النقل في الاقتصادات الحديثة يمثل أحد أهم عناصر البنية التحتية الداعمة للنمو الاقتصادي، تمامًا كالكهرباء والمياه والاتصالات، لافتًا إلى أن الدول المتقدمة تنظر إلى منظومة النقل باعتبارها استثمارًا اقتصاديًا يرفع كفاءة الاقتصاد الوطني.
وأشار الحدب إلى أن تقديرات البنك الدولي تبين أن الكلفة الاقتصادية لاختلالات قطاع النقل في الأردن تعادل نحو 6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة الازدحام، وارتفاع استهلاك الوقود، والحوادث، وهدر الوقت، وضعف كفاءة الوصول إلى أماكن العمل، فضلًا عن الأثر البيئي الذي تقدر كلفته بما يتراوح بين 500 مليون ومليار دولار سنويًا بسبب الانبعاثات الناتجة عن قطاع النقل. وأوضح أن هذه الأرقام تؤكد أن تطوير النقل العام يمثل استثمارًا اقتصاديًا يسهم في الحد من الخسائر ورفع كفاءة الاقتصاد.
وأوضح الحدب أن أثر منظومة النقل لا يقتصر على الاقتصاد الكلي، بل ينعكس مباشرة على معيشة المواطنين، إذ تشير دراسات البنك الدولي إلى أن الأسرة الأردنية تنفق في المتوسط نحو 17 بالمئة من دخلها على النقل، بينما ترتفع هذه النسبة إلى نحو 23 بالمئة بين الشباب، في حين يبلغ متوسط زمن التنقل اليومي قرابة ساعتين ونصف الساعة، وهو ما يعني هدر آلاف الساعات الإنتاجية التي يمكن استثمارها في العمل أو التعليم أو تطوير المهارات.
وأضاف أن العاصمة عمّان تواجه تحديات مرورية متزايدة مع تجاوز عدد المركبات المسجلة في المملكة 2.1 مليون مركبة، الأمر الذي يرفع الضغط على شبكة الطرق ويزيد كلف التنقل على الأفراد والشركات. وبين أن الازدحام لم يعد مجرد مصدر للإزعاج، بل تحول إلى عبء اقتصادي يؤثر في الإنتاجية، ويرفع كلف ممارسة الأعمال، ويحد من تنافسية المدن في جذب الاستثمارات.
وأشار الحدب إلى أن مشاريع تطوير النقل العام، وفي مقدمتها الباص السريع، تمثل تحولًا مهمًا في إدارة النقل الحضري، مبينًا أن منظومة النقل العام في عمّان نقلت خلال عام 2025 نحو 43 مليون راكب، بمتوسط يقارب 177 ألف راكب يوميًا، فيما يخدم الباص السريع وحده ما بين 120 و130 ألف راكب يوميًا، مع وصول مستويات رضا المستخدمين إلى أكثر من 90 بالمئة، وهو ما يعكس تنامي ثقة المواطنين بخدمات النقل العام عندما تتوافر الخدمة المنتظمة والآمنة.
ولفت الحدب إلى أن المكاسب الاقتصادية لمشاريع النقل العام لا تقتصر على تخفيف الازدحام، وإنما تمتد إلى رفع الإنتاجية، موضحًا أن تقليص زمن التنقل اليومي بمعدل 20 إلى 30 دقيقة فقط يمكن أن يوفر للفرد ما بين 120 و180 ساعة سنويًا، وهو ما ينعكس إيجابًا على كفاءة الاقتصاد وجودة الحياة وزيادة الإنتاجية.
وأكد أن تطوير النقل العام يحمل بعدًا اجتماعيًا مهمًا، مشيرًا إلى أن دراسات البنك الدولي أظهرت أن 47 بالمئة من النساء في الأردن رفضن فرص عمل بسبب غياب وسائل نقل مناسبة، كما أن استمرار ضعف منظومة النقل قد يؤدي إلى خسائر إنتاجية تقدر بنحو 46 مليون دينار سنويًا بحلول عام 2030. وأضاف أن تحسين النقل العام يسهم في رفع مشاركة المرأة والشباب في سوق العمل وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي.
وأشار الحدب إلى أن الاستثمار في النقل العام يحقق مكاسب بيئية وصحية أيضًا، إذ يسهم في خفض الاعتماد على المركبات الخاصة وتقليل الانبعاثات وتحسين جودة الهواء، مبينًا أن التقديرات تشير إلى أن مشاريع النقل الحديثة، وفي مقدمتها الباص السريع، يمكن أن تخفض الزيادة المتوقعة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 767 ألف طن سنويًا، الأمر الذي ينعكس على خفض الكلف الصحية وتحسين جودة الحياة.
وأضاف أن منظومة النقل أصبحت اليوم أحد معايير التنافسية الاقتصادية بين المدن، موضحًا أن المستثمر لا ينظر فقط إلى الحوافز الضريبية، بل يهتم أيضًا بسهولة تنقل العاملين وكفاءة الخدمات اللوجستية وجودة البنية التحتية، وهو ما دفع مدنًا مثل لندن وسنغافورة وبوغوتا إلى الاستثمار المكثف في النقل العام باعتباره أداة لرفع الإنتاجية وجذب الاستثمارات وتحسين تنافسية الاقتصاد الحضري.
ودعا الحدب إلى استكمال مشاريع تطوير النقل العام من خلال تعزيز التكامل بين مختلف وسائل النقل، وتطبيق التذكرة الموحدة، وإنشاء مواقف Park & Ride، والتوسع في أنظمة النقل الذكية، والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إدارة الحركة المرورية، إلى جانب دراسة أدوات إدارة الطلب على النقل، مثل الدوام المرن وغيرها من السياسات التي أثبتت نجاحها في العديد من المدن العالمية.
واختتم الحدب بالتأكيد على أن هذه التوجهات تنسجم بصورة مباشرة مع رؤية التحديث الاقتصادي، التي جعلت تحسين جودة الحياة ورفع تنافسية المدن وتمكين القطاع الخاص من أولوياتها، مؤكدًا أن الاستثمار في النقل العام يعد من أكثر الاستثمارات العامة تحقيقًا للعائد الاقتصادي والاجتماعي، وأن مواصلة تطوير هذه المنظومة، وفي مقدمتها الباص السريع، تمثل استثمارًا طويل الأجل في اقتصاد أكثر تنافسية، ومجتمع أكثر إنتاجية، وحياة أفضل للمواطنين.
وأشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الأردنية في قطاع النقل مؤخرًا تمثل تحولًا مهمًا في النظرة إلى قطاع النقل العام باعتباره استثمارًا اقتصاديًا واجتماعيًا، وليس مجرد خدمة تقدمها الحكومة.
وذكر أن التوسع في النقل المدرسي المنتظم، وتطوير شبكة الباص السريع الذي تقوم به الحكومة، يسهمان في تخفيف الأعباء المالية على الأسر الأردنية من خلال تقليل الاعتماد على المركبات الخاصة وخفض كلف الوقود والصيانة والنقل اليومي.
كما أضاف مخامرة أن النقل المدرسي المنتظم يعزز سلامة الطلبة ويمنح أولياء الأمور قدرًا أكبر من الطمأنينة، إلى جانب الحد من الازدحام المروري أمام المدارس، وهو ما ينعكس إيجابًا على كفاءة الحركة الاقتصادية داخل المدن.
ومن الناحية الاقتصادية، تابع مخامرة بأن تحسين منظومة النقل العام يرفع إنتاجية الاقتصاد، لأن الموظفين والطلبة يصلون إلى وجهاتهم بوقت أقل وكلفة أقل، كما يسهم في تقليل استهلاك الوقود وخفض الانبعاثات البيئية، وهو ما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة.
ولفت إلى أن نجاح هذه المشاريع سيعتمد على استمرار التوسع في التغطية الجغرافية لشبكة النقل، ورفع مستوى الخدمة، وربط مختلف وسائل النقل العام ببعضها، بحيث تصبح الخيار الأول للمواطن، وليس خيارًا بديلًا. فعندما نصل إلى شبكة نقل عام آمنة، ومنتظمة، وذات تكلفة معتدلة، فإنه سينعكس مباشرة على جودة حياة المواطنين ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وقال ممثل قطاع الألبسة والمحيكات، المهندس إيهاب قادري، في غرفة صناعة الأردن، إن تطوير شبكة الباص السريع والنقل العام المنظم لا ينبغي النظر إليه كمجرد مشروع خدمي أو مروري، بل كاستثمار اقتصادي مباشر في رفع كفاءة المدينة والاقتصاد معًا. فكل تحسن في منظومة النقل العام ينعكس على خفض كلف التنقل اليومية على المواطنين، وتقليل الوقت المهدور، ورفع إنتاجية العامل والطالب والموظف، وهو ما يعني اقتصاديًا تحويل جزء من الوقت الضائع والكلفة غير المنتجة إلى قيمة مضافة حقيقية.
وأضاف أن تحسين النقل العام يخفف الضغط على استخدام المركبات الخاصة، ويقلل من كلف الوقود والصيانة والازدحام، ويمنح المدن قدرة أكبر على الحركة والانسيابية، وهي عناصر أساسية لأي اقتصاد يريد أن يرفع تنافسيته وجودة الحياة فيه في آن واحد.
ولفت إلى أن الاستثمار في النقل العام الحديث يمثل ركيزة من ركائز العدالة الاقتصادية والاجتماعية، لأنه يوسع الوصول إلى فرص العمل والتعليم والخدمات بتكلفة أقل، ويعزز اندماج شرائح أوسع من المجتمع في النشاط الاقتصادي. كما أن توسيع شبكة الباص السريع والنقل العام المنظم يخلق أثرًا غير مباشر على قطاعات متعددة، من التجارة والخدمات إلى العقار والاستثمار الحضري، لأنه يعيد تشكيل العلاقة بين السكن والعمل والتنقل على أسس أكثر كفاءة واستدامة. لذلك، فإن دعم هذا التوجه إعلاميًا ومؤسسيًا مهم جدًا، لأنه يخدم هدفًا وطنيًا أوسع: مدينة أقل كلفة، وأكثر إنتاجية، وأعلى قدرة على خدمة المواطن والاقتصاد معًا.
خبراء: الباص السريع والنقل المدرسي ركيزتان لاقتصاد أكثر كفاءة
11:30 4-7-2026
آخر تعديل :
السبت