لم تمنع الاضطرابات الجيوسياسية، ولا ارتفاع كلف الشحن والطاقة، ولا اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، الصادرات الوطنية من مواصلة تسجيل أداء قوي، بعدما حققت نمواً بلغ 9.5 بالمئة خلال النصف الأول من عام 2026، في مؤشر يعكس متانة القطاع الصناعي الأردني وقدرته على التكيف مع مختلف المتغيرات، ويؤكد أن الصناعة الوطنية باتت إحدى الركائز الأساسية الداعمة للنمو الاقتصادي.
ويرى خبراء اقتصاديون وصناعيون أن هذا النمو لا يقتصر على ارتفاع الأرقام، بل يعكس تطوراً نوعياً في قدرة المنتج الأردني على المنافسة، واستفادة أكبر من اتفاقيات التجارة الحرة، إلى جانب نجاح جهود تنويع الأسواق التصديرية، بما يعزز مكانة الصناعة الأردنية في الأسواق الإقليمية والعالمية.
وأكد عضو مجلس إدارة غرفة صناعة عمان المهندس موسى الساكت أن تحقيق نمو يقارب 10 بالمئة في الصادرات، رغم حالة عدم اليقين التي تشهدها المنطقة، يعد مؤشراً إيجابياً على مرونة القطاع الصناعي وقدرته على تجاوز التحديات المرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن والطاقة، إضافة إلى التوترات الجيوسياسية التي تؤثر في حركة التجارة العالمية.
وأوضح أن اتفاقيات التجارة الحرة، إلى جانب الخبرة المتراكمة للمصدرين الأردنيين، أسهمت في فتح أسواق جديدة والحفاظ على الحصص السوقية، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على تعزيز القيمة المضافة للصادرات، والتوسع في الصناعات المعرفية والتكنولوجية لضمان استدامة النمو.
وشدد الساكت على أن تنويع الأسواق التصديرية أصبح ضرورة استراتيجية، لتقليل مخاطر الاعتماد على عدد محدود من الأسواق، لافتاً إلى أهمية التوسع في أسواق العراق وسوريا وفلسطين، بالتوازي مع دخول أسواق جديدة في أفريقيا وآسيا، مستفيدين من انخفاض كلف النقل وقرب هذه الأسواق من الأردن.
وأشار إلى أن بعض القطاعات تواجه تحديات ناجمة عن ارتفاع كلف الطاقة والتمويل والنقل، واشتداد المنافسة العالمية، ما يستدعي توفير تمويل ميسر للمصدرين، وخفض كلف الإنتاج، ودعم التحول نحو التكنولوجيا المتقدمة، وربط الصناعة بالجامعات والبحث العلمي، إضافة إلى الاستثمار في الأتمتة والذكاء الاصطناعي لتعزيز الإنتاجية والقدرة التنافسية.
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي سلامة الدرعاوي أن استمرار نمو الصادرات يؤكد قدرة الصناعة الأردنية على الصمود أمام تداعيات الأزمات العالمية والإقليمية، بدءاً من جائحة كورونا، مروراً بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولاً إلى الحرب على غزة وما رافقها من اضطرابات في سلاسل التوريد وارتفاع كلف الشحن والطاقة.
وقال إن هذا الأداء يعكس نجاح السياسات الاقتصادية التي عززت الانفتاح التجاري والاستفادة من الاتفاقيات الدولية، إلى جانب الاهتمام الرسمي بالقطاع الصناعي باعتباره محركاً للنمو والتشغيل والصادرات، مشيراً إلى أن الصناعات الغذائية والدوائية والكيماوية عززت حضورها في الأسواق الخارجية، وأسهمت في زيادة تدفق العملات الأجنبية ودعم الاقتصاد الوطني.
وأضاف أن تنوع الأسواق التصديرية يمثل أحد أهم عناصر القوة للاقتصاد الأردني، إذ أصبحت الصادرات تصل إلى أكثر من مئة دولة، الأمر الذي وفر بدائل للأسواق المتأثرة بالأزمات، وساعد على استدامة النمو، مؤكداً أن المحافظة على هذا التنوع تتطلب تحسين الخدمات اللوجستية، وتسهيل التجارة، وضمان قيام أي شراكات اقتصادية جديدة على مبدأ المعاملة بالمثل.
ولفت الدرعاوي إلى أن تراجع بعض القطاعات يعود إلى ارتفاع كلف الإنتاج والطاقة والشحن، إضافة إلى المنافسة الإقليمية والدولية، داعياً إلى مواصلة تخفيف كلف الطاقة، والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وتحفيز الاستثمار الصناعي، وتسريع تنفيذ مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.
بدوره، قال رئيس مجلس إدارة جمعية مستثمري شرق عمان الصناعية الدكتور إياد أبو حلتم إن النمو المتواصل في الصادرات يعكس التطور الكبير الذي حققته الصناعة الأردنية في توطين التكنولوجيا، وتحسين الجودة، وتعزيز القدرة التنافسية.
وأوضح أن الصادرات الوطنية ارتفعت بأكثر من 9 بالمئة خلال العام الماضي، وواصلت نموها بنسبة 9.5 بالمئة خلال النصف الأول من العام الحالي، مؤكداً أن الأردن يصدر اليوم أكثر من 1400 سلعة إلى أكثر من 150 دولة، بعد أن كان الاعتماد سابقاً يتركز على عدد محدود من السلع والأسواق.
وأشار إلى أن اتفاقيات التجارة الحرة مع منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، والولايات المتحدة، وكندا، والاتحاد الأوروبي، وسنغافورة، منحت المنتج الأردني ميزات تنافسية ساهمت في زيادة صادراته.
وبيّن أن السوق العراقية سجلت نمواً بنحو 19 بالمئة، فيما شهدت السوق السورية توسعاً ملحوظاً، إذ ارتفع حجم التبادل التجاري من أقل من 70 مليون دولار قبل التغيرات السياسية إلى ما بين 400 و450 مليون دولار خلال عام 2025، متوقعاً استمرار هذا النمو خلال الفترة المقبلة.
وأضاف أن بعض الصناعات، مثل الألبسة والجلديات، تتسم بالموسمية، فيما تأثر قطاع الحلي والمجوهرات بتقلبات أسعار الذهب والفضة والظروف الإقليمية، مرجحاً أن يكون هذا التراجع مؤقتاً مع توقع تعافي هذه القطاعات خلال النصف الثاني من العام.
من جهته، أكد ممثل قطاع الصناعات الجلدية والمحيكات في غرفة صناعة الأردن المهندس إيهاب قادري أن نمو الصادرات يعكس متانة الصناعة الوطنية وقدرتها على الحفاظ على تنافسيتها رغم التحديات الاقتصادية والإقليمية.
وأشار إلى أن بيانات التجارة الخارجية أظهرت نمواً في الصادرات الصناعية بنسبة 9.1 بالمئة خلال الثلث الأول من عام 2026، مع تحقيق جميع القطاعات الصناعية نمواً في صادراتها، ما يدل على اتساع قاعدة النمو وعدم اقتصاره على قطاع بعينه.
وأوضح أن الأسواق الأوروبية والآسيوية، وفي مقدمتها سويسرا والصين وهولندا وبلجيكا وتايلاند، سجلت معدلات نمو مرتفعة في استقبال الصادرات الأردنية، إلى جانب استمرار تحسن الصادرات إلى سوريا وعدد من الأسواق العربية، مؤكداً أن هذا التنوع الجغرافي عزز مرونة الصادرات وساعد على تعويض أي تراجع في بعض الأسواق التقليدية.
ودعا قادري إلى مواصلة دعم الصادرات، وخفض كلف الإنتاج والطاقة والنقل، وزيادة مخصصات الترويج التجاري والمشاركة في المعارض الدولية، وتمكين الشركات من تلبية متطلبات الأسواق العالمية، بما يضمن استدامة النمو وتعزيز القيمة المضافة للصناعة الوطنية.
ويجمع الخبراء على أن الأداء الإيجابي للصادرات الأردنية لم يعد نتاج ظروف مؤقتة، بل يعكس تحولاً تدريجياً في بنية القطاع الصناعي، يقوم على تنوع المنتجات والأسواق، وتحسين الجودة، والاستفادة من الاتفاقيات التجارية. إلا أن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب مواصلة الإصلاحات الاقتصادية، وخفض كلف الإنتاج، وتعزيز الابتكار، والتوسع في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، بما يرسخ مكانة الصناعة الأردنية محركاً رئيساً للنمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.
رغم التوترات الإقليمية.. الصادرات الوطنية تواصل مسارها التصاعدي
11:34 4-7-2026
آخر تعديل :
السبت