مزارعون: ارتفاع الكلف والتغير المناخي يدفعان لهجر الأراضي
خبراء: التوسع العمراني يهدد التوازن البيئي ويزيد الجزر الحرارية
تواجه سهول حوران، التي عُرفت تاريخياً بوصفها واحدة من أهم سلال الغذاء في شرق المتوسط، تهديداً وجودياً صامتاً جراء الزحف العمراني المتسارع، الذي بات يلتهم آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية الخصبة في لواءي الرمثا وبني عبيد.
وبحسب مواطنين لـ«الرأي»، هم: محمد خصاونة، وأحمد حتاملة، وعلاء الزعبي، وديانا محمد، فقد تحولت هذه السهول الممتدة، الشهيرة بإنتاج أجود أصناف القمح الحوراني والباميا البلدية، إلى غابات إسمنتية ومشاريع سكنية وتجارية، وسط تحذيرات خبراء ومختصين في الشأن البيئي والزراعي من خطورة هذا التمدد على الأمن الغذائي الوطني، وفي ظل غياب تشريعات تنظيمية حازمة توقف نزيف الأراضي المصنفة من الدرجة الأولى من حيث الخصوبة.
ويؤكد مزارعون في المنطقة أن التوسع العمراني لم يعد يهدد المساحات المزروعة فحسب، بل أدى إلى تفتيت الملكيات الزراعية وارتفاع أسعار الأراضي بشكل غير مسبوق، مما أغرى الكثير من الورثة والملاك ببيع أراضيهم أو فرزها لغايات البناء بدلاً من استصلاحها وزراعتها. ويشير هؤلاء إلى أن كلف الإنتاج المرتفعة، والتغيرات المناخية، وتراجع الدعم الموجه للقطاع الزراعي، أسهمت مجتمعة في دفع المزارع الهامشي إلى هجر أرضه وتركها لقمة سائغة لشركات التطوير العقاري والمقاولين، وهو ما ينذر باختفاء المحاصيل الاستراتيجية التي تميزت بها المنطقة لعقود طويلة.
ويرى خبير البيئة محمد حسين أن الحل لا يكمن في لوم المزارع، بل في إعادة النظر بالمخططات الشمولية لبلديات الشمال، وتفعيل قانون تنظيم المدن والقرى لمنع ترخيص المنشآت السكنية والتجارية داخل الأحواض الزراعية المحمية.
وأضاف أن التدمير الممنهج لهذه السهول الخصبة يحمل أبعاداً كارثية تتجاوز خسارة المحاصيل إلى إحداث خلل بيئي ومناخي عميق، موضحاً أن تحويل المساحات الخضراء الممتدة إلى كتل إسمنتية وطرق معبدة يساهم بشكل مباشر في تفاقم ظاهرة «الجزر الحرارية الحضرية»، حيث تمتص المباني الحرارة وتخزنها، مما يرفع درجات الحرارة المحيطة ويزيد من حدة التغيرات المناخية الجافة التي تعاني منها المنطقة أساساً.
ويضيف حسين أن غياب الغطاء النباتي يقلل من قدرة التربة على امتصاص مياه الأمطار وتغذية الأحواض الجوفية، مما يزيد من مخاطر الفيضانات السيلية وانجراف التربة، ويحرم البيئة المحلية من مصدات طبيعية رئيسية للتغير المناخي.
وينبه حسين إلى أن الأثر السلبي يمتد ليضرب القطاعين السياحي والزراعي في آن واحد، إذ إن سهول حوران تشكل ميزة بصرية وجمالية وهوية طبيعية جاذبة للسياحة البيئية والريفية، وسحقها تحت وطأة الإسمنت يشوه المشهد الطبيعي ويقضي على التنوع الحيوي الذي يربط الإنسان بأرضه وتاريخه.
ويؤكد أن الحل الحقيقي لا يكمن في لوم المزارع، بل في إعادة النظر بالمخططات الشمولية لبلديات الشمال، وتفعيل قانون تنظيم المدن والقرى لمنع ترخيص المنشآت السكنية والتجارية داخل الأحواض الزراعية المحمية، مطالباً بضرورة توجيه التوسع العمراني نحو المناطق الصخرية أو ذات التصنيف الزراعي المتدني، مع تقديم حوافز تشجيعية للمزارعين المتمسكين بأراضيهم، مثل الإعفاءات الضريبية وتأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار تفضيلية، لضمان استمرار دوران عجلة الإنتاج وحماية ما تبقى من سلة غذاء الشمال قبل فوات الأوان.
كما يطالب بتوجيه التوسع العمراني نحو المناطق الصخرية أو ذات التصنيف الزراعي المتدني، مع تقديم حوافز تشجيعية للمزارعين المتمسكين بأراضيهم، مثل الإعفاءات الضريبية وتأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار تفضيلية، لضمان استمرار دوران عجلة الإنتاج الزراعي وحماية ما تبقى من سلة غذاء الشمال قبل فوات الأوان.
وفي متابعة للإجراءات التنظيمية والحدود القانونية لوقف هذا التمدد، أكد رئيس بلدية الرمثا الكبرى، المهندس جمال أبو عبيد، أن البلدية تعتمد إدخال الأحواض إلى قانون التقسيم بناءً على طلبات يتقدم بها أصحاب قطع الأراضي أنفسهم، حيث يتم دراسة هذه الطلبات ورفعها إلى وزارة الإدارة المحلية لاتخاذ القرار المناسب والحصول على الموافقات الرسمية اللازمة.
وأوضح المهندس أبو عبيد أن العملية تخضع لرقابة حثيثة لضمان التوازن بين التوسع السكاني الطبيعي والحفاظ على الهوية الزراعية للمنطقة.
من جانبهم، أكد الناطق الإعلامي لبلدية إربد الكبرى، غيث التل، والناطقة الإعلامية لبلدية بني عبيد، هبة خصاونة، أن البلديات ملتزمة بموقف صارم حيال هذا الملف، حيث أشارا إلى أن البلدية لا تُدخل أي حوض جديد إلى التنظيم في الوقت الحالي، وأن إجراءات إدخال الأحواض متوقفة تماماً. ويأتي هذا التوجه البلدي المشترك كخطوة حمائية جادة لمنع تفتيت الرقعة الخضراء، والحد من انتشار المشاريع الإسكانية العشوائية داخل الأحواض الزراعية، بما يضمن الحفاظ على ما تبقى من سلة غذاء الشمال ومحاصيلها الاستراتيجية.
الزحف العمراني يهدد «سلة غذاء الشمال»
12:22 5-7-2026
آخر تعديل :
الأحد