كتاب

التحالفات المصلحية العربية... ألم يحن الوقت؟!

تشهد البيئة الدولية والإقليمية تحولاً عميقاً في طبيعة العلاقات بين الدول، حيث أصبحت المصالح الوطنية المعيار الحاكم في صياغة السياسات وبناء التحالفات وإدارة الصراعات، فكل قوة دولية أو إقليمية تتحرك وفق حسابات دقيقة تتعلق بأمنها القومي، ونفوذها السياسي، ومصالحها الاقتصادية، ومكانتها في النظام الدولي، وعندما تتغير المصالح، تتغير التحالفات، وتعاد صياغة المواقف، وتفتح قنوات جديدة للتعاون حتى بين أطراف كانت تتنافس أو تتصارع في مراحل سابقة. هذه الحقيقة تفرض على الدول العربية إعادة النظر في آليات العمل المشترك، والانطلاق نحو بناء تحالفات مصلحية تستند إلى المصالح العربية المشتركة باعتبارها الخيار الأكثر قدرة على حماية الأمن والاستقرار وتعزيز الحضور العربي في مراكز صناعة القرار.
الشرق الأوسط يقع اليوم في صلب المنافسة الدولية، فالممرات التجارية العالمية تمر عبر المنطقة، وأسواق الطاقة تشكل أحد أهم عناصر الاستقرار الاقتصادي العالمي، والاستثمارات في البنية التحتية والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي تتسارع بصورة غير مسبوقة، كما تتنافس القوى الكبرى على ترسيخ حضورها في هذه الجغرافيا الحساسة، وفي ظل هذا المشهد، تتحرك الولايات المتحدة والصين وروسيا، إلى جانب القوى الإقليمية، وفق استراتيجيات واضحة تقوم على تعظيم المكاسب وتقليل الكلف، دون أن تضع مصالح الآخرين في مقدمة أولوياتها، ومن الطبيعي أن يكون للعالم العربي النهج ذاته، عبر رؤية جماعية تجعل المصالح العربية محوراً لأي شراكة أو تفاهم أو تحالف.
فالتحديات التي تواجه الدول العربية تحمل طابعاً مشتركاً، كالأمن الغذائي، وأمن الطاقة، والأمن المائي، وأمن البحر الأحمر والخليج العربي، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد، جميعها ملفات مترابطة يصعب التعامل معها من خلال سياسات منفردة، كما أن التقلبات الاقتصادية العالمية، وارتفاع كلفة الأزمات، وتسارع المنافسة على التكنولوجيا ورؤوس الأموال، تفرض تنسيقاً عربياً أكثر فاعلية، يترجم الإمكانات الكبيرة إلى قوة اقتصادية وسياسية مؤثرة.
ويمتلك العالم العربي عناصر قوة تمنحه فرصة حقيقية لبناء هذا النموذج من التحالفات، فالثروات الطبيعية، والموقع الجغرافي، ورؤوس الأموال، والأسواق الواسعة، والموارد البشرية، والبنية اللوجستية، جميعها تمثل قاعدة صلبة لأي مشروع تكاملي مصلحي، غير أن قيمة هذه المقومات ترتبط بقدرة الدول العربية على توحيد أولوياتها، وتنسيق سياساتها، وبناء مؤسسات مشتركة تدير المصالح الاقتصادية والاستراتيجية بكفاءة واستدامة.
وتحمل التحالفات المصلحية العربية بعداً سياسياً لا يقل أهمية عن بعدها الاقتصادي، فالموقف العربي الموحد يمنح الدول العربية ثقلا تفاوضياً أكبر في التعامل مع القوى الدولية، ويعزز قدرتها على الدفاع عن قضاياها المركزية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، كما يرفع مستوى التأثير في الملفات الإقليمية التي تمس الأمن والاستقرار، فالدول الكبرى تتعامل بجدية مع الكتل القادرة على توظيف إمكاناتها بصورة جماعية، لأن وحدة المصالح تعني اتساع النفوذ وارتفاع القدرة على التأثير في القرارات الدولية.
كما أن التحالفات العربية قادرة على تحويل المنطقة إلى مركز اقتصادي عالمي يستفيد من التحولات الجارية في التجارة الدولية، حيث تمثل الممرات الاقتصادية الجديدة، ومشروعات الربط الإقليمي، والاستثمارات في الطاقة النظيفة، والصناعات المتقدمة، والاقتصاد الرقمي، فرصاً استراتيجية أمام الدول العربية لتعزيز التكامل الاقتصادي، ورفع حجم التجارة البينية، واستقطاب الاستثمارات النوعية، وخلق فرص عمل، وتحقيق معدلات نمو أكثر استدامة.
هذا التوجه يحتاج إلى رؤية سياسية واضحة تضع المصالح العربية في مقدمة الأولويات، بعيداً عن الحسابات الضيقة أو الخلافات المرحلية، حيث أثبتت التفاعلات في العلاقات الدولية أن المصالح المشتركة تمتلك القدرة على بناء شراكات قوية حتى بين دول تختلف في كثير من الملفات، لأن الاقتصاد والأمن والتنمية أصبحت أدوات رئيسة في صياغة النفوذ، وتحقيق الاستقرار، وتعزيز المكانة الدولية.
في المحصلة، تمنح المرحلة الحالية الدول العربية فرصة تاريخية لإعادة صياغة مفهوم العمل العربي المشترك على أسس أكثر واقعية وفاعلية، خاصة وأن الانتقال من التعاون التقليدي إلى التحالفات المصلحية يمنح المنطقة قدرة أكبر على إدارة التحديات، ويحولها من ساحة تتنافس عليها القوى الدولية إلى شريك يمتلك أدوات التأثير في مسارات السياسة والاقتصاد العالمي، وعندما تصبح المصالح العربية المشتركة أساساً لبناء التحالفات، فإن القرار العربي سيكتسب وزناً أكبر، وستتحول الإمكانات المتوافرة إلى قوة استراتيجية قادرة على حماية الأمن العربي، ودعم التنمية، وتعزيز الاستقرار، وترسيخ مكانة العالم العربي بوصفه أحد أهم الأقاليم المؤثرة في تشكيل النظام الدولي خلال العقود المقبلة.