السياحة البيئية.. استثمار بالمستقبل وحماية للإرث الطبيعي الأردني
أبو ديه: المحميات الطبيعية ثروة وطنية تستحق الاستثمار والحماية
أكد الخبير البيئي الدكتور أيوب أبو ديه أن السياحة البيئية لم تعد خيارًا ترفيهيًا فحسب، بل أصبحت أحد أهم مرتكزات التنمية المستدامة، لما توفره من توازن بين حماية الموارد الطبيعية، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وتعزيز الوعي البيئي، مشددًا على أن الأردن يمتلك مقومات طبيعية وجغرافية فريدة تؤهله ليكون من أبرز الوجهات الإقليمية في هذا النوع من السياحة إذا ما أحسن استثمارها.
وقال أبو ديه، في حديث لـ"الرأي"، إن السياحة البيئية تقوم على احترام الطبيعة والإرث المحلي وسكان المناطق المحمية، وتعريف الزوار بأهمية الحفاظ على البيئة، مبينًا أن نجاحها يسهم في رفع وعي المجتمعات المحلية بقيمة مواردها الطبيعية، ويوفر فرص عمل مستدامة تعتمد على حمايتها بدلاً من استنزافها.
وأضاف أن هذا النمط السياحي يدعم الإرشاد البيئي، والنزل الريفية، والحرف التقليدية، وإنتاج الأغذية المحلية، بما ينعكس على تحسين دخل السكان، ويحافظ في الوقت نفسه على التنوع الحيوي والمناظر الطبيعية، فضلًا عن توفير موارد تسهم في إنشاء المحميات الطبيعية وصيانتها، والمحافظة على المواقع التراثية.
وأشار إلى أن الأردن يزخر ببيئات طبيعية متنوعة تمتد من الغابات الجبلية في الشمال إلى الصحارى الواسعة في الجنوب والشرق، ما يجعل الرحلات البيئية من أبرز الأنشطة التي تجمع بين الترفيه والتعليم، لافتًا إلى أن زيارة محميات ضانا، والموجب، والشومري، والأزرق، إلى جانب وادي رم والبتراء، تمنح الزائر فرصة للتعرف إلى النباتات والحيوانات المحلية، ومراقبة الطيور، واستكشاف الإرث التاريخي والطبيعي، بما يعزز ثقافة حماية البيئة والتنوع الحيوي.
وأوضح أن المحميات الطبيعية تشكل خط الدفاع الأول عن الأنظمة البيئية في المملكة، وتحافظ على العديد من الأنواع المهددة بالانقراض، إلى جانب دورها في دعم السياحة البيئية والتنمية المحلية من خلال توفير فرص عمل في الإرشاد البيئي والخدمات السياحية والحرف التقليدية.
ولفت إلى أن الأردن يضم أيضًا محميات ذات أهمية بيئية كبيرة، مثل غابات عجلون، والأزرق المائية، وغابات دبين، وغابات اليرموك، وفيفا، وبرقش، والتي تعكس التنوع البيئي الفريد للمملكة، مؤكدًا أن الاهتمام المتزايد بالسياحة البيئية خلال السنوات الأخيرة أسهم في دعم المجتمعات المحلية وتعزيز التنمية المستدامة.
وأشار أبو ديه إلى أن مشروع "أردننا جنة... وبهواها تغنى" يمثل إحدى المبادرات الوطنية المهمة التي أسهمت في تشجيع السياحة الداخلية، من خلال تنظيم رحلات مدعومة إلى المواقع الطبيعية والأثرية، الأمر الذي رفع الإقبال على المحميات والأودية والجبال والقلاع، ورسخ ثقافة احترام الطبيعة والمحافظة عليها.
وأكد أن نجاح السياحة البيئية يتطلب التزام الزوار بممارسات مسؤولة، تشمل استخدام وسائل نقل أقل تلويثًا، وعدم إلقاء النفايات، والمحافظة على النباتات والحيوانات، والحد من استخدام البلاستيك، وترشيد استهلاك المياه والطاقة، والالتزام بتعليمات المحميات، ودعم المجتمعات المحلية من خلال شراء منتجاتها والاستفادة من خدماتها.
وحذر من أن الممارسات السياحية غير المسؤولة تتسبب في تلوث المياه والتربة، وإتلاف الغطاء النباتي، وإشعال الحرائق، وتدمير الموائل الطبيعية، وزيادة الضغط على الموارد المحدودة، ورفع الانبعاثات الكربونية، فضلًا عن الإضرار بالمواقع الطبيعية والتراثية وإرباك الحياة البرية نتيجة الضوضاء والتلوث.
وشدد على أن اختيار المحميات والوجهات السياحية يجب أن يستند إلى معايير واضحة، أبرزها الحفاظ على التنوع الحيوي، واحترام حقوق المجتمعات المحلية، وتنظيم أعداد الزوار، وتوفير برامج للتوعية البيئية، وتطبيق قوانين صارمة لحماية الموارد الطبيعية، إضافة إلى وجود بنية تحتية صديقة للبيئة وإدارة تتسم بالشفافية.
وأضاف أن اختيار الوجهة السياحية ينبغي أن يراعي أيضًا مدى التزامها بالممارسات المستدامة، مثل إدارة النفايات، والحفاظ على المياه والطاقة، وتقليل البصمة الكربونية، واختيار وسائل نقل صديقة للبيئة، ودعم الاقتصاد المحلي، وتشجيع الأنشطة السياحية منخفضة الأثر البيئي.
وأكد أبو ديه أن العديد من الدول، مثل جزر المالديف، وسيشل، وتايلاند، وكرواتيا، واليونان، وكوستاريكا، نجحت في تحويل السياحة البيئية إلى ركيزة اقتصادية مهمة، مشيرًا إلى أن الأردن قادر على الاستفادة من هذه التجارب بما ينسجم مع خصوصيته البيئية والثقافية.
ودعا إلى تكثيف السياحة الداخلية، خاصة في ظل التحديات الإقليمية التي أثرت في حركة السياحة، معتبرًا أنها أصبحت خيارًا استراتيجيًا يسهم في خلق طلب مستدام، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وتقليل تأثر القطاع بالمتغيرات الخارجية.
كما دعا إلى توسيع برامج الرحلات المدرسية والجامعية إلى المحميات والغابات والأودية والمواقع الأثرية، مؤكدًا أن تعريف الطلبة بالطبيعة الأردنية يعزز انتماءهم الوطني، ويرسخ لديهم ثقافة المحافظة على البيئة.
وختم أبو ديه بالتأكيد أن الأردن يمتلك إمكانات كبيرة في مجالات السياحة البيئية، والريفية، وسياحة المغامرات، وأن الاستثمار فيها سينعكس إيجابًا على المجتمعات المحلية، والحرفيين، والمزارعين، والمرشدين البيئيين، وسيعزز مكانة القطاع السياحي بوصفه أحد محركات التنمية المستدامة، ويرسخ ثقافة حماية الطبيعة باعتبارها مسؤولية وطنية مشتركة.