عربي ودولي

ألف يوم على «7 أكتوبر».. إسرائيل مشوشة وتواجه العزلة

مراجعات تكشف إخفاقات الحرب وتداعياتها

محللون: النصر المطلق لم يتحقق.. وتل أبيب أمام هزيمة سياسية
غزة غيرت عقيدة الأمن الإسرائيلي.. والقضية الفلسطينية حققت اعترافاً دولياً

مع مرور ألف يوم على هجوم «7 أكتوبر» 2023، تبدو إسرائيل، وفق ما تعكسه الصحافة العبرية، أمام مراجعة شاملة لواحدة من أكثر الحروب تعقيداً في تاريخها. ففي الوقت الذي يواصل فيه الجيش الإسرائيلي القتال على سبع جبهات تشمل قطاع غزة ولبنان وسوريا واليمن وإيران والعراق والضفة الغربية، يتفق عدد كبير من المحللين والكتاب الإسرائيليين على أن الإنجازات العسكرية لم تتحول إلى مكاسب سياسية أو استراتيجية، وأن شعار «النصر المطلق» الذي رفعته حكومة بنيامين نتنياهو بقي هدفاً سياسياً أكثر منه واقعاً قابلاً للتحقق.
وفي هذه المناسبة، خصصت الصحف والقنوات الإسرائيلية مساحات واسعة لاستعراض تداعيات الحرب، وقراءة نتائجها العسكرية والسياسية والدبلوماسية، وسط إجماع غير مسبوق على أن هجوم «7 أكتوبر» شكل نقطة تحول تاريخية هزت أسس العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وكشف إخفاقات عميقة في منظومة الردع والإنذار والدفاع.
المحلل العسكري في صحيفة «معاريف»، آفي أشكنازي، وصف ما جرى صباح 7 أكتوبر بأنه «الصدمة الأكبر» التي تعرضت لها إسرائيل منذ قيامها، مستعيداً اللحظات الأولى للهجوم الذي بدأ عند الساعة السادسة وتسع وعشرين دقيقة صباحاً، عندما تمكن آلاف المقاتلين من حركة حماس والجهاد الإسلامي، إلى جانب مجموعات من الفلسطينيين، من اختراق عشرات النقاط على امتداد الحدود مع قطاع غزة، والسيطرة على قواعد عسكرية ومستوطنات في غلاف غزة خلال وقت قصير.
وأشار أشكنازي إلى أن ذلك اليوم أسفر عن مقتل 1164 إسرائيلياً من جنود وقوات أمن ومستوطنين، إضافة إلى أسر 255 شخصاً، بينما قُتل لاحقاً 675 جندياً في المعارك التي توسعت إلى جبهات متعددة، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي بات يخوض حرباً متزامنة على 7 جبهات هي غزة ولبنان وسوريا واليمن وإيران والعراق والضفة الغربية.
ويرى أشكنازي أن أبرز ما كشفته الحرب هو أن النجاحات العسكرية التكتيكية لم تتحول إلى إنجازات سياسية في أي من الساحات، إذ بقيت جميع الجبهات مفتوحة، فيما غادرت معظم القيادات العسكرية والأمنية التي حملت مسؤولية الإخفاق، بمن فيهم وزير الحرب ورئيس الأركان ورؤساء الشاباك وشعبة الاستخبارات العسكرية وهيئة الأمن القومي.
كما يشير إلى أن إسرائيل ما تزال عاجزة عن تشكيل لجنة تحقيق رسمية بسبب الحسابات السياسية، في ظل اتهامات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتهرب من تحمل المسؤولية ومحاولة إعادة صياغة رواية الأحداث.
ويضيف أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري والدعم الأميركي والغربي الواسع، تعاني ضعفاً استراتيجياً ناتجاً عن غياب رؤية واضحة للمستقبل، وهو ما يجعل القوة العسكرية وحدها غير كافية لتحقيق أهداف الحرب.
وفي افتتاحيتها، استندت صحيفة «هآرتس» إلى تصريحات اللواء احتياط نيتسان ألون، الرئيس السابق لقيادة الأسرى والمفقودين، الذي أكد خلال مؤتمر هرتسيليا أن عدداً من الأسرى الذين قتلوا داخل غزة كان بالإمكان إعادتهم أحياء لو اتخذت القيادة السياسية قرارات مختلفة، معتبراً أن الحرب كان يمكن إنهاؤها قبل عام على الأقل، وأن شعار «النصر المطلق» لم يكن سوى وهم سياسي استخدم لتبرير استمرار القتال.
كما وجهت الصحيفة انتقادات حادة لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، مذكّرة بتصريحات سموتريتش التي اعتبر فيها أن إعادة الأسرى ليست الهدف الأهم للحرب، وأن أي صفقة تبادل تمثل استسلاماً لحماس.
من جانبه، يرى كبير محللي الشؤون العربية في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، آفي يسسخروف، أن إسرائيل كانت مضطرة للرد عسكرياً بعد الهجوم، إلا أن نتائج الحرب بعد ألف يوم جاءت مخالفة للتوقعات، إذ لم تتمكن من القضاء على حماس أو إنهاء حكمها.
ويشير يسسخروف إلى أن الحركة تمكنت من إعادة تسليح نفسها، وإعادة ترميم شبكة الأنفاق، وإنتاج أسلحة وصواريخ جديدة، إلى جانب تجنيد آلاف المقاتلين، بينما بقيت القوة الحاكمة الوحيدة في القطاع رغم الدمار الهائل.
ويعزو الفشل السياسي إلى رفض حكومة نتنياهو إنشاء بديل فلسطيني لإدارة غزة، خشية اعتراض شركائها في الائتلاف، سموتريتش وبن غفير.
كما يلفت إلى أن الحرب أدت إلى تزايد الانتقادات الدولية لإسرائيل واتهامها بارتكاب إبادة جماعية، في وقت شهد فيه الرأي العام الغربي، تعاطفاً متزايداً مع الفلسطينيين وما تعرض له قطاع غزة.
أما الباحث في الشؤون الاستراتيجية والمحاضر في أكاديمية الجليل الغربي، الدكتور موشيه العاد، فيعتبر أن مرور ألف يوم على الحرب يمثل نهاية مرحلة كاملة وبداية مرحلة جديدة في التفكير الأمني الإسرائيلي. ويؤكد أن مفهوم «الحرب القصيرة» انهار نهائياً، بعدما أصبحت إسرائيل تخوض حرب استنزاف متعددة الجبهات قد تستمر سنوات.
ويشير إلى أن الحدود التقليدية فقدت أهميتها، بعدما باتت مصادر التهديد تمتد من إيران واليمن إلى لبنان وسوريا والضفة الغربية، كما أن كلفة الحرب الاقتصادية أصبحت عاملاً حاسماً، إذ تستطيع طائرات مسيرة منخفضة الكلفة استنزاف منظومات دفاعية باهظة الثمن.
ويضيف أن إعادة الأسرى تحولت لأول مرة إلى هدف مركزي يرافق كل قرار سياسي وعسكري، ما يفرض إدراج هذا البعد ضمن العقيدة الأمنية الجديدة، مؤكداً أن الأمن لم يعد يقاس بالقوة العسكرية وحدها، بل بقدرة الدولة على دمج الجيش والاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والدبلوماسية والمناعة المجتمعية ضمن منظومة واحدة.
واعتبر الكاتب السياسي في «هآرتس» بن كسبيت أن «النصر المطلق» الذي وعد به نتنياهو تحقق فقط على المستوى الشخصي، من خلال بقائه في السلطة وتأجيل الاستحقاقات السياسية، بينما كانت الخسارة من نصيب الدولة.
ويقول بن كسبيت إنه في أي دولة تحترم نفسها كان المسؤول عن كارثة بهذا الحجم سيستقيل أو يتحمل المسؤولية، إلا أن نتنياهو بقي في منصبه بعد ألف يوم، مستفيداً من استمرار الحرب لتأجيل الانتخابات وتعطيل تشكيل لجنة تحقيق رسمية. ويرى أن إسرائيل فشلت في القضاء على حماس، التي تمكنت بحسب تقديراته من تجنيد نحو 35 ألف عنصر جديد، كما أخفقت في نزع سلاح حزب الله، وأسهمت في تعزيز مكانة إيران الإقليمية، وخسرت جانباً مهماً من دعم الولايات المتحدة.
بدوره، كتب بن درور يميني في «يديعوت أحرونوت» أن إسرائيل وقعت في «عمى مزدوج»، الأول تمثل في تجاهلها التصريحات العلنية لحماس حول استمرار المقاومة، والثاني في التقليل من تأثير الحرب الإعلامية التي صورت إسرائيل عالمياً باعتبارها ترتكب جرائم حرب وإبادة جماعية.
ويشير إلى أن المظاهرات الدولية ضد إسرائيل بدأت بعد أيام قليلة من هجوم أكتوبر، ورافقها تبني أكاديميين وسياسيين حول العالم روايات تنتقد السياسات الإسرائيلية، مؤكداً أنه كان قد توقع هزيمة سياسية لإسرائيل، داعياً حينها إلى وقف إطلاق نار أحادي الجانب وإنذار نهائي لحماس.
ويخلص بن درور إلى أن مقولة «العالم كله ضدنا» ليست دقيقة، مضيفاً أن «المشكلة أننا ضد أنفسنا.. والهزيمة السياسية من صنع أيدينا».
أما شاحر كلايمان في «هآرتس»، فيقدم تقييماً شاملاً لمختلف الجبهات، معتبراً أن اغتيال حسن نصر الله أضعف حزب الله وساهم في انتخاب رئيس لبناني مناهض لإيران وفتح الباب أمام مسار سلام مع إسرائيل، في حين أدى سقوط نظام بشار الأسد إلى تغييرات كبيرة في سوريا، وإن لم يكن العامل الإسرائيلي وحده سببها.
وفي المقابل، يرى أن غزة تمثل الإخفاق الاستراتيجي الأكبر، إذ بقيت حماس لاعباً رئيسياً رغم القضاء على معظم قيادتها.
وتؤكد الباحثة في معهد أبحاث الأمن القومي بجامعة تل أبيب، بنينا شرفيط-باروخ، أن إسرائيل وصلت إلى أدنى مستويات مكانتها الدولية، وأصبحت تعيش عزلة سياسية متزايدة، معتبرة أن المسؤولية المباشرة عن هذه الهزيمة السياسية تقع على الحكومة الإسرائيلية.
وفي السياق ذاته، أشار تقرير لمراقب الدولة إلى أن إسرائيل تفتقر منذ عقود إلى مفهوم رسمي متكامل للأمن القومي، وأن هجوم أكتوبر كشف انهياراً شاملاً في منظومات الردع والإنذار والدفاع، معتبراً أن الحكومات المتعاقبة تجنبت اعتماد استراتيجية أمنية واضحة لأنها تفرض تحديد أولويات وطنية والدخول في مساءلة سياسية علنية.
ويتفق معظم المحللين الإسرائيليين، ومن بينهم ناحوم برنياع وتسفي برئيل، على أن شعار «النصر المطلق» كان أقرب إلى رغبة سياسية لدى نتنياهو منه إلى هدف قابل للتحقيق، وأن القضية الفلسطينية حظيت خلال هذه الحرب باعتراف وتعاطف دوليين غير مسبوقين.
وفي المقابل، شرعت إسرائيل في تنفيذ خطة واسعة لإعادة بناء قدراتها العسكرية، من خلال تخصيص ميزانية دفاعية ضخمة تتضمن مضاعفة أسطول مقاتلات «إف-35» إلى مئة طائرة، وشراء خمسين مقاتلة من طراز «إف-15 آي إيه»، باستثمارات تقدر بنحو 350 مليار شيقل خلال العقد المقبل، ضمن استراتيجية عسكرية جديدة لما بعد 7 أكتوبر.
وبعد ألف يوم من الحرب، تكشف القراءة الإسرائيلية أن الدولة، رغم تفوقها العسكري والدعم الغربي، لم تتمكن من تحويل إنجازاتها الميدانية إلى مكاسب سياسية أو استراتيجية. كما فشلت، بحسب غالبية المحللين، في تحقيق «النصر المطلق» أو القضاء على حماس، بينما تكبدت خسائر كبيرة في الأرواح والاقتصاد والمكانة الدولية، ودخلت مرحلة من العزلة السياسية غير المسبوقة، في وقت اكتسبت فيه القضية الفلسطينية زخماً واعترافاً دوليين على نطاق أوسع من أي وقت مضى.