اًالشباب الإسرائيلي أقل ثقة بالمؤسسات الديمقراطية
مع اقتراب موعد الانتخابات العامة في إسرائيل، تتصاعد المؤشرات على تحولات عميقة في المشهد السياسي والاجتماعي، لا سيما بين فئة الشباب الذين سيدلون بأصواتهم للمرة الأولى، في سياق يتزامن مع استمرار العمليات العسكرية في قطاع غزة ولبنان وسوريا، وتوسع الاستيطان في الضفة الغربية.
وتستند قراءة هذا التحول إلى مقالين تحليليين نشرتهما صحيفة «هآرتس»، أولهما للكاتبة نوعا ليمونا بعنوان: «عنصريون أكثر، ديمقراطيون أقل: خريجو الصف الثاني عشر سيصوتون لأول مرة بعد سنوات من الأزمات»، والثاني لتسفي برئيل بعنوان:"فقط لا تحبسونا داخل حدود»، حيث يرسمان صورة قاتمة لمستقبل الديمقراطية الإسرائيلية، مع توقعات بارتفاع نفوذ اليمين المتطرف في صناديق الاقتراع.
وتشير ليمونا، استناداً إلى آراء خبراء التربية وقادة حركات شبابية ومعلمين ومشاهدات ميدانية، إلى أن الجيل الجديد من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و18 عاماً نشأ في بيئة مليئة بالأزمات المتلاحقة، شملت جائحة «كورونا»، والانقسام السياسي الداخلي، واحتجاجات واسعة، وهجمات «7 أكتوبر»، ثم الحروب التي تلتها.
ووفقاً لها، فإن هذا الجيل «شاهد صدمات لا حصر لها»، ما انعكس على مواقفه السياسية والاجتماعية، وجعله أكثر تشددا وأقل تسامحا.
وتستشهد ليمونا، باستطلاع الطلاب الوطني لعام 2025، الذي أجرته الهيئة الوطنية للتقييم والقياس في التعليم «راما» ونشر في كانون الثاني 2026، والذي أظهر ارتفاعا في نسبة الطلاب الذين يوافقون على وجود فئات في المجتمع لا تستحق أن تكون جزءا منه، وفي مقدمتها المواطنون العرب.
من جانبه، يقول مدير عام جمعية «التعليم من أجل الحياة»، أور موردو، إن هذا الجيل «ممزق» بين مشاعر القوة والإرهاق، مستنداً إلى بحث بعنوان: «رؤية الشباب 2026» أجري بمشاركة 2122 شابا.
وبيّن البحث أن 8 من كل 10 طلاب في التعليم باللغة العبرية يعلنون التزامهم بقيم الدولة كيهودية وديمقراطية، في حين يسود لديهم مستوى مرتفع من عدم الثقة بالمؤسسات الرسمية وشعور بأن النظام لا يخدمهم.
وتضيف الأمينة العامة لحركة «هشومير هتسعير»،روني جفعوني، أن تعزيز النزعة القومية لدى الشباب قد يتحول إلى «قومية متطرفة»، مشيرة إلى تناقض واضح بين دعمهم لقيم مثل حرية التعبير وحقوق المثليين، وبين انتشار مشاعر الخوف أو الكراهية تجاه المواطنين العرب، إلى جانب تراجع الثقة بالمؤسسات.
ويشير مدير مدرسة تل أبيب الثانوية البلدية، يوآف فريدان، إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تفكك مفهوم الحقيقة لدى الشباب، في ظل غياب سردية مشتركة، ما يفتح المجال أمام الخطابات السياسية المبسطة والمتشددة.
ويلفت الأمين العام لحركة الكشافة، العاد سندوفيتش، إلى اعتماد واسع لدى الشباب على تطبيق «تيك توك» كمصدر رئيسي للمعلومات، في ظل انجذاب بعضهم لخطاب شخصيات سياسية يمينية تقدم نفسها بلغة مباشرة.
وتتوقف ليمونا، عند حادثة وقعت في شباط 2025 في مدرسة «أوهيل شيم» في رمات غان، حيث أثار تدخل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، في قضية طالب حاول نصب منصة دينية داخل المدرسة، وما تبع ذلك من مظاهرة ودعم سياسي مباشر له، جدلا واسعا حول تداخل السياسة بالتعليم، وتأثير ذلك على تشكيل وعي طلابي يميل نحو التطرف.
في السياق ذاته، يقدم تسفي برئيل، في مقاله قراءة أعمق للبعد الاستراتيجي، مشيراً إلى أن المجتمع الإسرائيلي بات يفتقد النقاش حول الاتجاه المستقبلي للدولة، مقابل التركيز على التوسع والتمدد.
ويروي واقعة طلاب لم يتمكنوا من تحديد الخط الأخضر، باعتباره مؤشرا على تآكل الوعي بالحدود السياسية والجغرافية.
ويحذر برئيل، من أن هذا التحول يعكس توجها نحو نموذج «الدولة المحصنة» أو ما يشبه «دولة إسبرطة»، حيث تتراجع الاعتبارات السياسية لصالح منطق القوة.
ويستند في تحليله إلى الفيلسوف أنطونيو غرامشي، في توصيفه لمرحلة «موت القديم وعدم ولادة الجديد»، محذرا من فراغ سياسي وأيديولوجي يتسع في المشهد الإسرائيلي.
وتشير الدكتورة عيناف اشيروف، إلى وجود فجوة متزايدة بين الخطاب التربوي الرسمي وتجربة الطلاب اليومية، ما يولد شعورا بالإحباط والعزلة.
فيما تحذر الدكتورة تامي هوفمان، من أن غياب الموارد المخصصة لتعليم الديمقراطية وتراجع تدريب المعلمين يضعف القدرة على بناء وعي نقدي لدى الجيل الجديد.
وبحسب التحليل، فإن تداخل هذه العوامل من غياب الثقة بالمؤسسات، وتنامي تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وضعف التعليم المدني، إلى جانب استمرار الصراع العسكري، يسهم في تشكيل بيئة انتخابية تميل نحو الخطاب اليميني المتشدد، في ظل تراجع قدرة المعارضة على تقديم بدائل سياسية واضحة.
وتخلص القراءات التحليلية إلى أن الانتخابات المقبلة قد تعكس تحولا بنيويا في السلوك الانتخابي، مع صعود جيل جديد يتبنى مواقف أكثر تشدداً تجاه قضايا الهوية والصراع، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تآكل القيم الديمقراطية لصالح خطاب يقوم على الانقسام والفرز السياسي والاجتماعي.