كتاب

الأردن وتحييد تداعيات الإقليم المضطرب

بكل موضوعية لا يمكن تجاوز نجاح الأردن بتحييد الارتدادات والآثار السلبية التي انتجتها حالة السيولة الامنية التي تعيشها المنطقة من صراعات وازمات خلفت وراءها عديد التحديات والتبعات الخطيرة التي طالت دول المنطقة والعالم ولم يسلم منها احد.
الاردن وقع في ظلم الجغرافيا بوجوده وسط اقليم ملتهب افرز مخاطر جمة على كافة الصعد والمستويات، ولم يكن يملك ترف الوقت او الاختيار في مواجهتها لدرء وتخفيض الكلف الكبيرة لهذه النزاعات خصوصا التبعات الاقتصادية التي تنتجها الحرب بفعل انقطاع سلاسل الامداد والتوريد وما يتبعها من ارتفاع في الاسعار يمس حياة المواطنين مباشرة.
بالتوازي مع كافة التحديات السياسية والامنية تبقى الاقتصادات الوطنية الاكثر تضررا بفعل الحروب والازمات والتي هي عدو الاقتصاد ونموه وعافيته نظرا للأعباء الكبيرة والباهظة التي يتحملها جراء ثقل وجسامة التبعات.
الاردن لم يكن بمنأى عن كل ذلك بل على العكس كان في عين العاصفة لكنه اختط لنفسه نموذج ادارة ازمة متفردا وفاعلا على كافة القطاعات والمستويات عبر قرارات وسياسات واجراءات وقائية واحترازية خفضت من الكلف الباهظة للظروف الاقليمية وبالتوازي عززت من النشاط الاقتصادي.
لا نقول انه تم تحييد كافة الآثار والتداعيات السلبية ولم يمسنا شيء منها لكن المؤشرات والارقام الاقتصادية ذات الصلة بالنمو وقوة القطاعات واستدامتها وعدم انعكاس كل ذلك على المواطن مباشرة دليل ادارة راشدة استطاعت اتخاذ كل التدابير التي من شأنها تجاوز هذه التحديات بكفاءة واقتدار.
التعاطي الحكومي والمؤسسات المعنية بإدارة الازمة كان بحجم الحدث عبر قراءات منطقية وواقعية استطاعت تشخيص الظروف الطارئة والاستثنائية وبالتالي ايجاد استراتيجيات ازمة كفؤة اشتبكت بحرفية مع الازمة خصوصا ما يرتبط بالمخزونات الاستراتيجية التي تعرضت لانقطاعات انتجتها حالة الاضطراب الاقليمي.
وفي هذا فإن قدرة الاقتصاد الاردني على تجاوز هذا التحدي كما غيره من التحديات الكبيرة خلال السنوات الاخيرة يثبت قدرات كبيرة على التكيف والمرونة العالية في التعاطي واستيعاب الصدمات التي تنتجها الازمات والحروب ولم يكن ذلك بالتأكيد وليد لحظة او صدفة بل باستعداد استباقي امثل قائم على نهج ادارة كفء.
من هنا تأتي ثقة المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية بالاقتصاد الوطني دليل قوة وكفاءة على المضي باقتدار نحو تعاف ونمو متصاعد تجعله مثالا يحتذى برغم وجوده في ظروف اقليمية استثنائية ليس من السهولة بمكان وزمان تجاوزها.
وفي هذا أظهر تقرير صادر عن البنك الدولي توقعات بأن يسجل الاقتصاد الأردني نموا بنسبة تصل إلى 3% في عام 2028 محافظا على مسار نمو تصاعدي، فضلاً عن تقرير لصندوق النقد الدولي الذي توقع استمرار التعافي الاقتصادي بمسار تصاعدي لمعدلات نمو تتراوح بين 2.7% الى 3.1% خلال السنوات المقبلة وهذا ما سجله الأردن فعلياً بالوصول الى معدل نمو حقيقي بلغ 2.9% خلال الربع الأول من العام الحالي مقارنة بـ2.7 %خلال الفترة نفسها من عام 2025.
إجمالاً، الاقتصاد لغة الارقام والمؤشرات وما يعيشه الاقتصاد الوطني بمختلف قطاعاته الحيوية ومشاريعه الاستراتيجية مدعاة للثقة والمنعة ما يؤسس لمستقبل واعد للاقتصاد الاردني الذي برغم كل ما يواجهه استطاع الصمود والنمو وتحييد معظم الارتدادات السلبية خصوصا ذات الصلة بالتضخم وكبح جماحه .