حين انفضت مدرجات جماهير النشامى في كأس العالم ٢٠٢٦، بقي للأردنيين ما هو أثمن من مجرد إنجاز رياضي تاريخي؛ بقيت تلك الروح الشبابية التي أثبتت بالدليل القاطع أن 'النشامى' قادرون على صياغة المستحيل متى ما توفرت لهم البيئة الحاضنة.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً وعقلانية، والذي يفرض نفسه اليوم مع انطفاء أضواء الملاعب وعودة الفريق، هو كيف ننتقل بوعي من عاطفة الاحتفاء المؤقت إلى استراتيجية التمكين المستدام؟
كيف نضمن ألا تكون هذه المشاركة المونديالية مجرد 'طفرة' عابرة تُذكر في المناسبات، بل نقطة تحول تؤسس لجيل رياضي وإنتاجي متكامل؟
إن تتبع المسار الذي قادنا إلى المونديال يكشف بوضوح أن الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة استثمارات تراكمية امتدت لسنوات طويلة، وتحديداً عبر 'مراكز الأمير علي للواعدين'، هذا المشروع الوطني المتكامل الذي أُعيد إطلاقه بتوجيهات من سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني برؤية متطورة ونطاق أوسع، حيث يتحدث واقع الحال اليوم عن 65 مركزاً تدريبياً موزعة على كافة محافظات المملكة تستهدف المواهب الغضة، ليتضح أن غالبية النجوم الذين رفعوا اسم الأردن عالمياً هم من خريجي هذا النموذج الذي حصد سابقاً جائزة أفضل مشروع في آسيا، وهو ما يثبت علمياً أن الاستثمار المبكر في طاقات الشباب هو الطريق الأوحد لاستدامة الحضور الدولي.
ومع ذلك، فإن قراءة المشهد بعين ناقدة وبصيرة تفرض علينا الاعتراف بأن كرة القدم وحدها لا تصنع جيلاً رياضياً متكاملاً، ومن هنا تأتي أهمية التوجه الحالي لوزارة الشباب لتوسيع قاعدة التمكين الرياضي عبر برامج متخصصة تشمل رياضات قتالية وفكرية وإلكترونية كالجوجتسو والشطرنج، بهدف اكتشاف المواهب ورعايتها كأدوات لبناء الشخصية وغرس قيم الانضباط والعمل الجماعي. غير أن حجر الأساس في هذه المنظومة بأكملها يظل كامناً في الرياضة المدرسية التي ما زالت تمثل الحلقة الأضعف؛ إذ أجمع الخبراء في 'منتدى تواصل ٢٠٢٦' على حتمية صياغة تكامل مؤسسي حقيقي يربط وزارتي الشباب والتربية والتعليم باللجنة الأولمبية، فالمدارس هي المصنع الأول للمواهب، وإهمالها هو بمثابة تجفيف للمنابع وقطع للطريق على آلاف الأطفال الذين يمتلكون الشغف ويفتقدون الفرصة.
إن هذا التحول المنشود يضعنا مباشرة أمام ضرورة صياغة نموذج اقتصادي جديد يتجاوز النمط الرعوي التقليدي للأندية الأردنية التي عاشت طويلاً على الإعانات الحكومية المؤقتة، والانتقال بها تدريجياً نحو الاحتراف والاستثمار الفعلي من خلال الخصخصة، ومنح الإعفاءات الضريبية للمستثمرين في القطاع الرياضي، وتأهيل كوادر متخصصة في الإدارة المالية والتسويق لضمان الاستدامة المالية. إن صياغة الاستراتيجية الوطنية للشباب ٢٠٢٦–٢٠٣٠، بنهجها التشاركي الحالي الذي يضع الشباب أنفسهم في مقدمة الحوارات وتصميم التوصيات بالمحافظات، تمثل فرصة تاريخية لا تتكرر لتأطير هذا التكامل بين القطاعين العام والخاص، ليكون ملف الشباب 'ملف دولة بامتياز' لا ملف مؤسسة منفردة.
والعبور من لحظة الانتشاء الرياضي إلى آفاق الإنتاج الحقيقي يستدعي اليوم تطبيق خريطة طريق ثلاثية الأبعاد: تبدأ ببناء جسور تنظيمية تلتقط الموهبة من مقاعد الدراسة وتدفع بها فوراً إلى مراكز الواعدين المتخصصة، وتمر عبر تقديم حزمة حوافز وتسهيلات حقيقية للمستثمرين والأندية التي تتبنى الفئات العمرية، وتنتهي بإطلاق برامج تمكين موازية تسلح اللاعب الشاب بمهارات الريادة، والصحة النفسية، والتوعية المالية، ليكون قادراً على إدارة مستقبله بوعي واقتدار.
تمتلك الحكومة اليوم البنية التحتية الجاهزة من مدن ومجمعات رياضية، والنموذج الحي الناجح، والإرادة السياسية العليا، وحتى الذراع التمويلي الممثل بصندوق دعم الحركة الشبابية والرياضية؛ وما ينقصنا فقط هو تفعيل الإرادة التنفيذية التي تجمع هذه الجزر المتناثرة في منظومة واحدة تقطع مع ثقافة 'الفعاليات الاستعراضية' لتتصل بثقافة 'المشاريع المستدامة'.
فكما سجل النشامى هدفاً تاريخياً في شباك الكبار، بات لزاماً على صانع القرار أن يسجل أهدافاً حاسمة في شباك التحديات التي تواجه شبابنا، فالفرصة سانحة اليوم لبناء إرث يليق بطموح هذا الوطن، والرهان معلق على خطواتنا القادمة.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً وعقلانية، والذي يفرض نفسه اليوم مع انطفاء أضواء الملاعب وعودة الفريق، هو كيف ننتقل بوعي من عاطفة الاحتفاء المؤقت إلى استراتيجية التمكين المستدام؟
كيف نضمن ألا تكون هذه المشاركة المونديالية مجرد 'طفرة' عابرة تُذكر في المناسبات، بل نقطة تحول تؤسس لجيل رياضي وإنتاجي متكامل؟
إن تتبع المسار الذي قادنا إلى المونديال يكشف بوضوح أن الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة استثمارات تراكمية امتدت لسنوات طويلة، وتحديداً عبر 'مراكز الأمير علي للواعدين'، هذا المشروع الوطني المتكامل الذي أُعيد إطلاقه بتوجيهات من سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني برؤية متطورة ونطاق أوسع، حيث يتحدث واقع الحال اليوم عن 65 مركزاً تدريبياً موزعة على كافة محافظات المملكة تستهدف المواهب الغضة، ليتضح أن غالبية النجوم الذين رفعوا اسم الأردن عالمياً هم من خريجي هذا النموذج الذي حصد سابقاً جائزة أفضل مشروع في آسيا، وهو ما يثبت علمياً أن الاستثمار المبكر في طاقات الشباب هو الطريق الأوحد لاستدامة الحضور الدولي.
ومع ذلك، فإن قراءة المشهد بعين ناقدة وبصيرة تفرض علينا الاعتراف بأن كرة القدم وحدها لا تصنع جيلاً رياضياً متكاملاً، ومن هنا تأتي أهمية التوجه الحالي لوزارة الشباب لتوسيع قاعدة التمكين الرياضي عبر برامج متخصصة تشمل رياضات قتالية وفكرية وإلكترونية كالجوجتسو والشطرنج، بهدف اكتشاف المواهب ورعايتها كأدوات لبناء الشخصية وغرس قيم الانضباط والعمل الجماعي. غير أن حجر الأساس في هذه المنظومة بأكملها يظل كامناً في الرياضة المدرسية التي ما زالت تمثل الحلقة الأضعف؛ إذ أجمع الخبراء في 'منتدى تواصل ٢٠٢٦' على حتمية صياغة تكامل مؤسسي حقيقي يربط وزارتي الشباب والتربية والتعليم باللجنة الأولمبية، فالمدارس هي المصنع الأول للمواهب، وإهمالها هو بمثابة تجفيف للمنابع وقطع للطريق على آلاف الأطفال الذين يمتلكون الشغف ويفتقدون الفرصة.
إن هذا التحول المنشود يضعنا مباشرة أمام ضرورة صياغة نموذج اقتصادي جديد يتجاوز النمط الرعوي التقليدي للأندية الأردنية التي عاشت طويلاً على الإعانات الحكومية المؤقتة، والانتقال بها تدريجياً نحو الاحتراف والاستثمار الفعلي من خلال الخصخصة، ومنح الإعفاءات الضريبية للمستثمرين في القطاع الرياضي، وتأهيل كوادر متخصصة في الإدارة المالية والتسويق لضمان الاستدامة المالية. إن صياغة الاستراتيجية الوطنية للشباب ٢٠٢٦–٢٠٣٠، بنهجها التشاركي الحالي الذي يضع الشباب أنفسهم في مقدمة الحوارات وتصميم التوصيات بالمحافظات، تمثل فرصة تاريخية لا تتكرر لتأطير هذا التكامل بين القطاعين العام والخاص، ليكون ملف الشباب 'ملف دولة بامتياز' لا ملف مؤسسة منفردة.
والعبور من لحظة الانتشاء الرياضي إلى آفاق الإنتاج الحقيقي يستدعي اليوم تطبيق خريطة طريق ثلاثية الأبعاد: تبدأ ببناء جسور تنظيمية تلتقط الموهبة من مقاعد الدراسة وتدفع بها فوراً إلى مراكز الواعدين المتخصصة، وتمر عبر تقديم حزمة حوافز وتسهيلات حقيقية للمستثمرين والأندية التي تتبنى الفئات العمرية، وتنتهي بإطلاق برامج تمكين موازية تسلح اللاعب الشاب بمهارات الريادة، والصحة النفسية، والتوعية المالية، ليكون قادراً على إدارة مستقبله بوعي واقتدار.
تمتلك الحكومة اليوم البنية التحتية الجاهزة من مدن ومجمعات رياضية، والنموذج الحي الناجح، والإرادة السياسية العليا، وحتى الذراع التمويلي الممثل بصندوق دعم الحركة الشبابية والرياضية؛ وما ينقصنا فقط هو تفعيل الإرادة التنفيذية التي تجمع هذه الجزر المتناثرة في منظومة واحدة تقطع مع ثقافة 'الفعاليات الاستعراضية' لتتصل بثقافة 'المشاريع المستدامة'.
فكما سجل النشامى هدفاً تاريخياً في شباك الكبار، بات لزاماً على صانع القرار أن يسجل أهدافاً حاسمة في شباك التحديات التي تواجه شبابنا، فالفرصة سانحة اليوم لبناء إرث يليق بطموح هذا الوطن، والرهان معلق على خطواتنا القادمة.