محليات

الفحوصات الطبية.. كلفة تتصاعد والتأجيل يؤخر التشخيص

حداد : الأردن يستورد 85-90% من مستلزماته المخبرية


الاعتماد على الأنظمة الاحتكارية يرفع كلفة الكواشف والتحاليل
لم تعد الفحوصات المخبرية في الأردن مجرد خدمة مساندة للعمل الطبي بل أصبحت أحد أهم عناصر الرعاية الصحية وأكثرها تأثيرا على كلفة العلاج واستدامة القطاع الصحي في ظل الاعتماد الكبير على المستلزمات والكواشف المستوردة وارتفاع أسعار التحاليل وتزايد الضغط على المستشفيات الحكومية.
الخبير الأردني في الاستخدام المزدوج للأمن الحيوي والأسلحة البيولوجية الدكتور حازم حداد، حذر من أن فاتورة الفحوصات الطبية والمستلزمات المخبرية باتت تشكل تحديا اقتصاديا متناميا أمام المنظومة الصحية، مؤكدا أن الرعاية الصحية الحديثة تعتمد بنسبة تتجاوز 70% على نتائج المختبرات والتحاليل الدقيقة، ولم تعد قائمة على الفحص السريري وحده.
وبين في تصريح إلى 'الرأي' أن الأردن رغم امتلاكه نظاما صحيا متقدما، ومكانة إقليمية في مجال السياحة العلاجية، يواجه تحديات متزايدة نتيجة ارتفاع كلفة المستلزمات الطبية والكواشف المخبرية، بالتزامن مع زيادة الطلب على الخدمات الصحية وارتفاع أعداد السكان واللاجئين.
وأشار إلى أن الإنفاق الصحي في الأردن يقدر بنحو 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما أسهمت الضغوط السكانية والإنسانية في زيادة استهلاك المستلزمات الطبية بشكل ملحوظ، الأمر الذي انعكس على كلفة الخدمات الصحية.
وأضاف حداد أن الأردن يستورد ما بين 85 و90% من المستلزمات الطبية والأجهزة المخبرية والكواشف والمواد الكيميائية اللازمة لتشغيلها، مما يرتب فاتورة استيراد سنوية بمئات الملايين من الدولارات، ويجعل القطاع الصحي عرضة لتقلبات الأسواق العالمية وسلاسل التوريد.
وأوضح أن المؤسسة العامة للغذاء والدواء تفرض رسوما على فحص العينات المستوردة لضمان جودتها قبل تداولها، وهي كلف تنعكس في نهاية المطاف على أسعار الخدمات الطبية التي يتحملها المواطن.
ولفت إلى أن العديد من المستشفيات تقع في ما وصفه بـ'فخ الأنظمة المغلقة'، إذ يتم شراء الأجهزة الطبية بأسعار منافسة، لكنها ترتبط لاحقا بشراء الكواشف والمحاليل الحصرية من الشركة المصنعة طوال العمر التشغيلي للجهاز، مما يحد من المنافسة ويرفع الكلفة التشغيلية.
وأكد حداد أن أسعار الفحوصات في القطاع الخاص أصبحت تشكل عبئا متزايدا على المواطنين، خاصة غير المؤمن عليهم صحيا أو المصابين بأمراض مزمنة تحتاج إلى متابعة دورية.
ونوه إلى أن أسعار حزم الفحوصات الدورية الأساسية تتراوح بين 15 و60 دينارا، فيما يصل سعر فحص السكر التراكمي إلى نحو 15 دينارا، وتتجاوز أسعار العديد من الفحوصات الهرمونية ومؤشرات الأورام والفيتامينات والمعادن المتقدمة 35 إلى 50 دينارا للفحص الواحد.
وأشار إلى أن ارتفاع الكلفة يدفع كثيرا من المرضى إلى تأجيل الفحوصات أو الاستغناء عنها، مما يؤدي إلى اكتشاف الأمراض المزمنة والسرطانات وأمراض الكلى في مراحل متأخرة، الأمر الذي يرفع كلفة العلاج على الدولة والمريض بصورة كبيرة مقارنة بكلفة الكشف المبكر.
وتابع بأن انتقال المرضى من القطاع الخاص إلى الحكومي هربا من الأسعار يزيد الضغط على المختبرات الحكومية، ويسهم في حدوث نقص متكرر في بعض الكواشف، وارتفاع فترات الانتظار لإجراء التحاليل التشخيصية.
وكشف حداد استنادا إلى خبرته كعضو في لجنة صندوق الجوائح والمختبرات المشكلة من وزارة الصحة، أن العديد من الجهات الحكومية تعتمد في أحيان كثيرة على التمويل المقدم من الجهات الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي، لتأمين احتياجات المختبرات وضمان استمرارية الخدمات.
ودعا إلى تبني استراتيجية وطنية لتوطين صناعة المستلزمات الطبية والكواشف المخبرية، مؤكدا أن التشريعات الأردنية لا تمنع الاستثمار في هذا القطاع، بل توفر بيئة تنظيمية تضاهي المعايير العالمية، إلا أن التحدي يكمن في ضعف الحوافز الحكومية وارتفاع كلف الإنتاج.
وأشار إلى أن هذه الصناعات تحتاج إلى استثمارات كبيرة في البحث والتطوير، وإعفاءات ضريبية وجمركية، وتخفيض كلف الطاقة، إضافة إلى سياسات شراء حكومية تمنح المنتج الوطني أولوية في العطاءات لحمايته من المنافسة غير المتكافئة.
واعتبر حداد أن تحقيق الاستدامة يتطلب البدء بتوطين الصناعات المخبرية متوسطة التكنولوجيا، مثل الأنابيب والمستهلكات البلاستيكية والمحاليل، ثم التوسع تدريجيا نحو تصنيع الكواشف الحيوية بالتعاون مع شركاء دوليين لنقل المعرفة والخبرات.
وشدد على أهمية حوكمة الفحوصات الطبية من خلال الربط الإلكتروني بين المختبرات والمستشفيات عبر الأنظمة الوطنية، بما يمنع تكرار الفحوصات للمريض نفسه، ويخفض الهدر في الموارد، ويحسن كفاءة الإنفاق الصحي.
ونبه حداد إلى أن مستقبل الفحوصات الطبية في الأردن لم يعد قضية صحية فقط، بل أصبح ملفا اقتصاديا واستراتيجيا يتطلب مراجعة وطنية شاملة توازن بين جودة الخدمات، ودعم الصناعة المحلية، وتعزيز البحث العلمي، بما يضمن استدامة المنظومة الصحية، وقدرة المواطن على الوصول إلى خدمات التشخيص المبكر بكلفة مناسبة.