كتاب

خمسةُ أعداءٍتُهدِّد بُنيان المُجتمعات البشرية

إنَّ المخاطر التي تهدّد المجتمعات البشرية لا تكون كلّها وبأصنافها المختلفة واردةً من الخارج. فالكثير منها ينشأ داخل المجتمعات، تنمو فيها بهدوءٍ وَصَمتٍ وَتكْبُر إلى أن تُصبح عبئاً ثقيلاً ممَّا يُعرقل تقدم المجتمعات ويُضعف بُنيانها. ومجتمعنا العربي مِثل غيره من المجتمعات البشرية، يواجه تحدياتٍ متعدِّدة لا تقلّ خطورة عن أي عدّو ظاهر. فالجهل عندما ينتشر يُطفِئُ نورَ الوعي، كما أن الفقر والبطالة يرهقان حياة الأفراد والأُسَرِ ويقيّدان الطموحات والآمال.أما الغُلوُّ أو التطرف، فيؤدي إلى المَسِّ في نسيج المجتمع المتضامن، ويترتب على ذلك حدوث انقسامات فيه وتشنجات، وقد يُفضي ذلكَ إلى أنواع من الكراهية يتبعها العنف. ويأتي خطر الفساد بأشكاله المختلفة ليقوّض الثقة والعزائم في جوانبَ ويعطّل مسارَ التنمّية في جوانب أخرى .
في هذا المقال، أستعرض هذه المخاطر الخمس بإيجازٍ ذلك ان التوسع فيها يحتاج لمقالات عدة، كما أُلقي ضوءاً على كيفية مواجهتها.
1-الجهل: الجهل ليس مجرّد عدم التَّعَلُّمِ أو تلقي الدراسة بتسلسُل مراحلها، بل يشمل فيما يشمل عدم الوعي بالواجبات والحقوق. إنعدم أخذِ الدروس مِن أصحاب الخبرة والعِلم، وَعدم تقبل الفِكر البناء والتمسك بالرأي يُنمي الجهل ويغلق أبواب المعرفة، بما يعني الانغلاق عن فضاء العالم الواسع. ومن مُحصلات الجهل ضَعف المجتمع لضعف أفراده، كما أنه يَحُد من فرص التطوير ويفاقم من المشاكل والتحديات.
وأرى إمكانية الحَلِّ في الاستثمار الشامل في التعليم، ونشر الثقافة، وتشجيع التفكير النقدي.وبناءً على مقولة 'كلما تعلّم الإنسان زادت حرّيته' فهذا يعني ارتباط الحرّية بالتعليم، لأن التعليم يُحررّ العقول من قيود الفِكر المُتصلب ويُنمي المعرفة ويوسع المدارك. ومن المعلوم أن الحرّية ليس بمستطاعها أن تعمل في ظل الأميّة وضآلةِ مخزون الفكر والثقافة. ومن هنا تأتي أهمية التركيز على التربية والتعليم لبناء الإنسان الحُرّ والمستنير بالمعرفة.
2-الفقر: لا ينحصر الفقر في المفهوم الدارج بعدم توفر المال، أو الموارد لتغطية متطلبات الحياة الأساسية للعيش الكريم؛ على أهمية هذا الجانب المادي، لكن هناك الفقر القِيَمي والأخلاقي هذا الذي يشكل خطراً على المجتمعات، ومن أمثلتهِ عندما تنخرط شريحة من أبناء المجتمع في آفاتٍ منها على سبيل المثال آفة المخدرات، أو الانخراط بسلوكيات سلبية منها ما يدخل تحت مسمى عدوانية. وأرى إمكانية الحَلِّ في إقامة مشروعات تشغيلية كبيرة فعّالة، وإنجاز مبادرات لتمكّين الشباب وغيرهم مِن العمل، وتحسين الخدمات الاجتماعيةوتكثيف حملات التوعية لتبيان مخاطر المخدرات وغيرها من الآفات.
3-البطالة: عدم توفر فرص العمل ينعكس على الأفراد والمجتمع بأسره، والبطالة يتبعها الإحباط وقد تدفع بعض الشباب للتفتيش عن موارد لتغطية متطلبات متنوعة ضارة وسلبية! وأرى إمكانية الحَلِّ في توسيع أسواق العمل وتشجيع الاستثمار المحليّ، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير مهارات الشباب لتلبية احتياجات سوق العمل.
4-الغُلوُّ والتطرفّ: يُشكلان ظاهرة في طياتها مخاطر لا تُحصى على المجتمعات البشرية والدول. فالسِّلم المُجتمعي والتآلف والتكافل من أُسُسِ الأمان والسلام والاستقرار. وأرى إمكانية الحَلِّ في توعيةٍ دينية روحية مُستمدة من وقائعَ فيها تجارب حيَّة كانت تُقرِّب الناس إلى بعضهم البعض،كذلك استثمار وسائل الإعلام لتعزيز ثقافةٍ تكون مُلتزمةً من أجل تعاضدٍ أكثر قوة، ومحبة روابطها غير قابلة للفَسخِ أو الخَرْقِ.
5-الفساد: ومن أشكاله تغييب النزاهة وتكافؤ الفرص،واستغلال المراكز في حالات لصالح فئات محددةدون النظر للصالح العام. وأرى إمكانية الحَلِّ في تحقيق العدالة والمساواة والعمل حسبَ مقاييس الشفافية والنزاهة في الأمورِ كلِّها وفي الظروف جميعها.
والخلاصة، إنَّ مواجهة الأخطار والتحديات الآنفة ليسَ بالأمر الصَّعب التحقيق أو المستحيل، فالتركيز على التعليم وتوسيع مناهِجِه، والسَّعي الجاد لخلق فرصِ عَملٍ، وترسيخ قيم العدالة والنزاهة، وتعزيز الوعي بالقِيم الروحية والأخلاقية ونشرها ضمن مسؤولية مشتركة، بهذا كله وبغيره يمكن للمجتمعات أن تمضي متجاوزةً أية عراقيل أو صعوبات من أجل مستقبلٍ مزدهرٍ مُستقرٍ مشرق.