كتاب

الجهل بالقانون لا يُعفي من المسؤولية

ليست قاعدة 'الجهل بالقانون لا يُعفي من المسؤولية' مجرد عبارة تتردد في أروقة المحاكم، بل هي إحدى الركائز التي يقوم عليها البناء القانوني للدولة الحديثة. فهي تعكس فلسفة تشريعية مفادها أن استقرار المجتمع وسيادة القانون لا يتحققان إذا أُجيز لكل شخص أن يتنصل من التزاماته بحجة عدم علمه بالنصوص القانونية.
ومن هنا، فإن المشرع لم يربط إلزامية القانون بالعلم الفعلي لكل فرد، وإنما بنشره وفق الأصول الدستورية في الجريدة الرسمية، لتقوم قرينة قانونية مفادها أن الجميع قد أُحيط علماً به. وهذه القرينة ليست افتراضاً للواقع، وإنما ضرورة قانونية تفرضها اعتبارات الأمن القانوني واستقرار المعاملات.
ولو فتح باب الاعتذار بالجهل، لأصبحت المسؤولية رهناً بالادعاءات الشخصية، ولأضحى تطبيق القانون متفاوتاً من شخص إلى آخر، وهو ما يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون. فالقواعد القانونية بطبيعتها عامة ومجردة، ولا تستقيم وظيفتها إذا ارتبط نفاذها بدرجة الثقافة القانونية لكل فرد.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الجهل بالقانون والجهل بالوقائع. فالجهل بالنص القانوني لا يعفي من المسؤولية، بينما قد يكون الغلط في الوقائع مؤثراً في بعض الحالات على قيام القصد الجرمي أو المسؤولية، وفقاً لما يقدره القضاء في ضوء ظروف كل قضية. وهذا التمييز يجسد دقة السياسة التشريعية في تحقيق التوازن بين حماية المجتمع وضمان العدالة الفردية.
وفي عصر التحول الرقمي، ازدادت أهمية هذه القاعدة. فكثير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يعتقدون أن إعادة نشر محتوى مخالف أو تداول معلومات غير مشروعة لا يرتب مسؤولية قانونية إذا كانوا يجهلون النصوص المنظمة لذلك. غير أن التطور التقني لم يغير من جوهر القاعدة، فالمساءلة تبقى قائمة متى اكتملت أركانها القانونية، سواء ارتكب الفعل في الواقع المادي أم عبر الفضاء الإلكتروني.
ولئن كان القانون يفترض العلم بأحكامه، فإن ذلك لا يعفي الدولة من مسؤولية تبسيط التشريعات وتعزيز الثقافة القانونية، لأن احترام القانون لا يتحقق بالعقوبة وحدها، بل يبدأ بتمكين المواطن من الوصول إلى النصوص وفهمها. فكلما كانت القاعدة القانونية أكثر وضوحاً، ازدادت فاعليتها وترسخت الثقة بالعدالة.
إن قاعدة 'الجهل بالقانون لا يُعفي من المسؤولية' ليست خروجاً على العدالة، بل هي أحد أهم ضماناتها؛ إذ تحمي مبدأ المساواة، وتكرس سيادة القانون، وتمنع تحويل الجهل المزعوم إلى وسيلة للإفلات من المسؤولية. فالدولة التي يسود فيها القانون ليست الدولة التي يعرف جميع أفرادها التشريعات عن ظهر قلب، وإنما الدولة التي يخضع فيها الجميع، حكاماً ومحكومين، لسلطان القانون دون استثناء.