محليات

السمنة في الأردن.. تحد صحي يفرض فاتورة اقتصادية متصاعدة

دراسة وطنية لقياس الكلفة الاقتصادية للسمنة ضرورة

الرشدان : 340 مليون دينار خسائر إنتاجية سنويا
الأدوية الحديثة فعالة لكنها ليست حلا دائما
لم تعد السمنة في الأردن مجرد مشكلة صحية ترتبط بزيادة الوزن والأمراض المزمنة بل تحولت إلى تحد اقتصادي يفرض كلفا متزايدة على النظام الصحي وسوق العمل والأسر في ظل ارتفاع معدلات الإصابة وغياب دراسة وطنية متخصصة تقيس العبء الاقتصادي الحقيقي للسمنة.
وبين مدير مركز الاقتصاد الصحي والسياسة الاجتماعية في جامعة الشرق الأوسط الدكتور عمر الرشدان، أن دراسة نشرت قبل 4 سنوات أظهرت أن 6 من كل 10 بالغين في الأردن يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، فيما ترتفع النسبة إلى أكثر من 80% بين النساء كبيرات السن، مما يعني أن السمنة لم تعد قضية فردية، بل أصبحت قضية ذات أبعاد صحية واقتصادية.
وأوضح في مقابلة مع 'الرأي' أن العبء الحقيقي لا يتمثل في السمنة بحد ذاتها، وإنما في الأمراض المزمنة التي تنتج عنها، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والكلى، والتي تتسبب بأكثر من ثلثي الوفيات في الأردن سنويا، بينما تستنزف كلف علاجها الموازنات العامة وتثقل كاهل الأسر.
وأضاف أن الأردن لا يمتلك حتى اليوم دراسة وطنية تقيس الأثر الاقتصادي للسمنة، إلا أن الاستناد إلى التجربة السعودية، التي قدرت الكلف الطبية المباشرة للسمنة وزيادة الوزن بنحو 4.3% من إجمالي الإنفاق الصحي، يشير إلى أن الأردن قد يتحمل أكثر من 100 مليون دينار سنويا كتكاليف طبية مرتبطة بالسمنة، مؤكدا أن هذه الأرقام تبقى تقديرية إلى حين إعداد دراسة وطنية دقيقة.
وأشار الرشدان إلى أن 26.6% من الموازنة الصحية الأردنية يذهب للإنفاق على الأدوية، ويستحوذ علاج السكري وارتفاع ضغط الدم والكوليسترول وأمراض القلب على جزء كبير منها، وهي أمراض ترتبط بالسمنة بشكل مباشر، لافتًا إلى أن المصاب بالسمنة ينفق على الأدوية بنسبة تزيد بنحو 40% مقارنة بالشخص ذي الوزن الطبيعي.
ونوه إلى أن العبء لا يقتصر على الأدوية، بل يشمل دخول المستشفيات، وغرف الطوارئ، والعمليات الجراحية، وغسيل الكلى الناتج عن مضاعفات السكري، مبينا أن هذه النفقات تسجل تحت الأمراض الناتجة عن السمنة، لا تحت السمنة نفسها، مما يجعل الكلفة الحقيقية أكبر مما تظهره الإحصاءات.
وفي جانب الإنتاجية، لفت الرشدان إلى أن السمنة تؤثر في الاقتصاد من خلال زيادة الغياب عن العمل، وتراجع
الكفاءة أثناء العمل، وارتفاع معدلات البطالة وانخفاض الأجور بين المصابين بها.
وأشار إلى أنه في ظل تجاوز البطالة في الأردن 22%، فإن عبء الأمراض المزمنة يضاعف الخسائر الاقتصادية، لافتا إلى أن دراسة سعودية قدرت خسائر الإنتاجية المرتبطة بالسمنة بنحو 0.9% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأضاف أن إسقاط هذه النسبة على الاقتصاد الأردني، البالغ نحو 37.6 مليار دينار، يعني أن خسائر الإنتاجية المرتبطة بالسمنة قد تصل إلى نحو 340 مليون دينار سنويا، مؤكدا أن الرقم تقديري ولا يظهر في الموازنات لأنه لا يقاس بصورة مباشرة، ما يعزز الحاجة إلى دراسة وطنية دقيقة.
وشدد الرشدان على أن التكميم ليس الخيار الأول لعلاج السمنة، موضحا أن العلاج يبدأ بتغيير نمط الحياة من خلال الغذاء والنشاط البدني والدعم النفسي، ثم الأدوية الحديثة، قبل اللجوء إلى الجراحة للحالات المؤهلة طبيًا أو التي لم تستجب للخيارات السابقة.
وأضاف أن الأدوية الحديثة، وعلى رأسها السيماغلوتيد 'أوزيمبيك وويغوفي' والتيرزيباتيد 'المونجارو'، أحدثت نقلة في علاج السمنة، إذ أظهرت أول مقارنة مباشرة بين الدواءين، نشرت عام 2025، أن المونجارو خفض الوزن بنسبة 20.2% مقابل 13.7% للأوزيمبيك خلال 72 أسبوعا.
ورأى أن التكميم يصبح خيارا اقتصاديا عندما يكون البديل سنوات طويلة من العلاج الدوائي ومضاعفات الأمراض المزمنة، مشيرا إلى أن تكلفة التكميم في الأردن تبلغ نحو 2000 دينار، فيما ينفق المريض المصاب بالسمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم ما بين 300 و400 دينار سنويا على الأدوية والفحوصات والمراجعات، دون احتساب المضاعفات أو دخول المستشفى.
واستشهد الرشدان بدراسة إسبانية تابعت مرضى التكميم لمدة خمس سنوات، وأظهرت انخفاضا ملحوظا في زيارات الطوارئ، واختفاء متلازمة الأيض لدى 64% من المرضى، وتحسن السكري بنسبة 63%، وارتفاع ضغط الدم بنسبة 52%، مما قد ينعكس على خفض الإنفاق الصحي للأسر وصناديق التأمين.
وفي المقابل، وصف الرشدان أدوية إنقاص الوزن الحديثة بأنها فعالة، لكنها ليست حلا دائما، إذ تشير الدراسات إلى أن المرضى يستعيدون الوزن بعد إيقافها بمعدل 0.8 كيلوغرام شهريا خلال 18 شهرا، مع عودة ارتفاع السكر وضغط الدم والكوليسترول.
وتابع بأن كلفة حقنة المونجارو في الأردن تتراوح بين 150 و250 دينارا شهريا، أي ما بين 1800 و3000 دينار سنويا، ويتحملها المريض بالكامل لعدم شمولها بأي تأمين صحي، لافتا إلى أن دولا أوروبية تتعامل بحذر مع تغطيتها بسبب كلفتها المتراكمة.
وأكد أن الوقاية تبقى الخيار الأكثر جدوى اقتصاديا على المدى البعيد، من خلال تنظيم محتوى السكر في الأغذية، وإعادة توجيه الدعم نحو الغذاء الصحي، وإدخال برامج تغذية عملية في المدارس، إلى جانب توفير العلاج المناسب للحالات القائمة.
وحذر الرشدان من استمرار ارتفاع معدلات السمنة بين الأطفال، مبينا أن طفلا من كل ثلاثة في سن المدرسة يعاني من زيادة الوزن أو السمنة، وهو ما ينذر بارتفاع الأمراض المزمنة في سن مبكرة، ويهدد جزءا من إنتاجية القوى العاملة مستقبلا.
ولفت إلى أن التقديرات العالمية تشير إلى احتمال تضاعف الكلفة الاقتصادية للسمنة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل بين 12 و25 مرة بحلول عام 2060، داعيا إلى إعداد دراسة وطنية تقيس الكلفة الاقتصادية الفعلية للسمنة، وتحدد حجم الإنفاق الصحي المرتبط بها، بما يوفر لصانع القرار قاعدة دقيقة لتوجيه السياسات الصحية والمالية.