عربي ودولي

جدل ((حل الدولتين)) يتجدد في إسرائيل

صراع الرؤى حول مستقبل القضية الفلسطينية

في خضم التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط، وتحديدًا بعد الكشف عن خطة الرئيس الامريكي دونالد ترامب التي يصفها مراقبون بأنها تستهدف عمليًا إنهاء «حل الدولتين»، تشير تقارير أمريكية وإسرائيلية إلى أن هذه الخطة تعيد تشكيل الواقع الميداني بطريقة تجعل إقامة دولة فلسطينية مستقلة أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن شبه مستحيل.

وفي المقابل، بدأت داخل إسرائيل تتصاعد، ولو بشكل محدود، أصوات سياسية تدعو إلى إعادة إحياء هذا الحل.

ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، برز تقرير إسرائيلي موسّع تناول المواقف من حل الدولتين، مركّزًا على برنامجي شخصيتين سياسيتين إسرائيليتين، هما يئير لبيد ويئير غولان، اللذان أبديا، وفق تحليل عاموس شوكن في صحيفة هآرتس، استعدادًا نسبيًا لدعم هذا الحل.

ويقارن التقرير بين رؤيتيهما ونقاط الالتقاء والاختلاف بينهما في ظل واقع سياسي وأمني شديد التعقيد، وفي مواجهة خطة أمريكية تبدو وكأنها تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.

ولفهم سياق طرح برنامجي لبيد وغولان، لا بد من التوقف عند ملامح الخطة الأمريكية الجديدة، إذ تُطرح رؤية مختلفة جذريًا لا تقتصر على تقويض حل الدولتين، بل على إعادة تعريف طبيعة الصراع ذاته. ووفق ما أورده محللون أمريكيون وإسرائيليون، تتضمن الخطة فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية عبر التعامل مع غزة ككيان إداري منفصل يخضع لإدارة دولية تحت ما يُسمى «مجلس السلام» برئاسة ترامب، ما يؤدي عمليًا إلى تقويض وحدة الجغرافيا الفلسطينية.

كما تقوم الخطة على تحويل الصراع من قضية سياسية تتعلق بالسيادة والحقوق إلى ملف إداري وأمني وإنساني، مع تعليق فكرة السيادة الفلسطينية إلى أجل غير مسمى، وربط أي تسوية مستقبلية بشروط صارمة أبرزها نزع سلاح الفصائل الفلسطينية بالكامل وتفكيك بنيتها العسكرية والسياسية، إلى جانب ما يوصف بعمليات «إعادة تأهيل مجتمعي» بإشراف دولي.

وفي السياق ذاته، تُتهم الخطة بأنها تفتح الباب أمام ضم تدريجي للضفة الغربية من خلال التوسع الاستيطاني وتخفيف القيود على مصادرة الأراضي، ما يضعف أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.

ويعزز هذا المسار، بحسب التحليلات، تصاعد نفوذ تيارات يمينية متشددة داخل إسرائيل، أبرزها التيار الذي يمثله إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، واللذان يرفضان بشكل قاطع فكرة الدولة الفلسطينية، ويدفعان باتجاه سياسات تشمل التهجير وتوسيع المستوطنات.

ويقود سموتريتش، بحسب تقارير حقوقية، توجهات تهدف إلى فرض وقائع ميدانية في الضفة الغربية تشمل هدم قرى ومصادرة أراضٍ وتوسيع الاستيطان، وهي سياسات وُصفت من قبل منظمات دولية بأنها ترقى إلى التهجير القسري.

أما بن غفير، فيتبنى خطابًا متشددًا يقوم على تشديد العقوبات بحق الفلسطينيين، بما في ذلك الدعوة إلى عقوبات قصوى بحق من ينفذ عمليات ضد إسرائيليين.

في المقابل، لا تزال داخل إسرائيل أصوات سياسية تدعو إلى حل الدولتين، رغم محدودية تأثيرها، وفي مقدمتها يئير لبيد ويئير غولان، اللذان يقدمهما تحليل عاموس شوكن كأبرز من لا يزال يتبنى هذا الخيار، وإن بصيغ مختلفة.

يئير لبيد، رئيس حزب «يش عتيد» ورئيس الوزراء السابق، يؤكد أن حل الدولتين يمثل الخيار الأفضل لأمن إسرائيل واقتصادها ومستقبلها، كما ورد في خطابه أمام الأمم المتحدة عام 2022. لكنه يضع شرطًا أساسيًا يتمثل في أن تكون الدولة الفلسطينية مستقبلًا دولة مسالمة لا تشكل تهديدًا أمنيًا لإسرائيل، وهو شرط يعكس استمرار الهواجس الأمنية في الموقف الإسرائيلي العام، وإن كان لبيد يرى إمكانية تحقيقه ضمن تسوية سياسية.

ويشير التحليل إلى أن هذا الموقف، رغم مرونته النسبية، يبقى مشروطًا بمعايير أمنية صارمة، لكنه في الوقت ذاته لا يستبعد إمكانية التوصل إلى تفاهمات مع الجانب الفلسطيني إذا توافرت الإرادة السياسية والبيئة المناسبة.

أما يئير غولان، الجنرال السابق، فيتبنى مقاربة أكثر حذرًا، إذ يرى أنه لا توجد فرصة واقعية قريبة لتحقيق حل الدولتين، لكنه يرفض التخلي عنه كهدف استراتيجي بعيد المدى.

ويدعو إلى ما يسميه «الفصل المدني» كمرحلة انتقالية، عبر توسيع صلاحيات السلطة الفلسطينية في إدارة الشؤون المدنية في الضفة الغربية وقطاع غزة، بما يهيئ تدريجيًا لبيئة سياسية أكثر استقرارًا.

كما يركز غولان على ضرورة إعادة بناء السلطة الفلسطينية لتكون شريكًا أكثر فاعلية، وهو طرح يتقاطع مع رؤى دولية تدعو إلى إصلاحات داخل السلطة لتأهيلها لأي تسوية مستقبلية.

ويطرح هذا التباين بين لبيد وغولان تصورين مختلفين: الأول يرى إمكانية تحرك سياسي سريع قد يفتح باب التسوية، بينما يتبنى الثاني نهجًا تدريجيًا يقر بصعوبة الواقع الحالي، لكنه يتمسك بإمكانية الوصول إلى حل على المدى البعيد.

وفي المقابل، تقدم الخطة الأمريكية إطارًا مختلفًا يقوم على إدارة الواقع دون الوصول إلى سيادة فلسطينية، ما يحول القضية إلى ملف إداري وأمني واقتصادي، ويُبقي الفلسطينيين خارج معادلة الدولة.

وبين هذه الرؤى الثلاث، يبقى موقف لبيد وغولان صوتًا معارضًا داخل المشهد الإسرائيلي، لكنه يواجه بيئة سياسية داخلية صاعدة باتجاه اليمين، إلى جانب دعم أمريكي لنهج مختلف. ومع ذلك، فإن هذا الصوت يبقي على نافذة سياسية، وإن كانت تتضاءل، تجاه الحل السياسي، في ظل واقع إقليمي شديد التعقيد وتوازنات غير مستقرة.