عندما يدلّ حُسن الأثر على الحسين

تاريخ النشر : الأحد 11:53 28-6-2026
د. فارس البريزات

ليس كل أثرٍ يُرى في لحظته، ولا كل قيادةٍ تُقاس بما يُقال عنها، بل بما تتركه وراءها من مؤسسات وفرص وأفكار تغيّر حياة الناس وتفتح أمامهم أبواب المستقبل. فالأثر الحقيقي لا يحتاج إلى كثير تعريف؛ فهو يظهر في ترسيخ هوية وطنية، وفي بناء أسرة صغيرة تتفيأ ظل وطن آمن، وفي طبقة وسطى تبني وتفتخر، وفي جامعةٍ تهيئ شاباً لمهنة الغد، وفي مشروعٍ تقني يمنح الموهبة فرصة، وفي مدينةٍ تتحول إلى مساحة أوسع للعمل والاستثمار والأمل. وحين يكون هذا الأثر متصلاً بالطبقة الوسطى والأسرة وبالشباب والتعليم والتكنولوجيا والسياحة والاقتصاد المنتج، يصبح دليلاً على رؤية ترى في الإنسان رأس المال الأهم، وفي الفرصة حقاً ينبغي أن يتسع للجميع. وفي ذكرى ميلاد سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، الثانية والثلاثين، تتقدم هذه المعاني لتجعل الاحتفاء ليس بالعمر وحده، بل بما يحمله من وعدٍ وعملٍ وأثر.

الوعد هو أن حضور سموه في حياة الأردنيين واهتمامه بالشباب لم يبقَ في حدود الخطاب أو لغة التمنّي، بل أخذ طريقه إلى العمل في مبادرات تعيد صقل الهوية الوطنية الأردنية الراسخة ممثلة بالمنتخب الوطني، وتصل التعليم بالاقتصاد، والطموح الفردي بالمصلحة الوطنية. فجامعة الحسين التقنية، التي شهدتُ تطورها بحكم الجيرة في مجمع الملك الحسين للأعمال منذ عام 2016، لم تأتِ لتكون إضافة عددية إلى الجامعات، بل نموذجاً مختلفاً للتعليم التطبيقي؛ تعليماً يضع المختبر والمشغل والتدريب العملي وبرامج التدريب في الشركات المجاورة في المجمع في قلب التجربة، ويؤمن بأن الشهادة لا تكفي وحدها ما لم تسندها مهارة، وتصقلها معرفة، وتترجمها قدرة على الإنتاج والمنافسة ترعاها نخب أردنية متميزة مثل الأستاذ الدكتور إسماعيل الحنطي الذي يقود الجامعة من إنجاز لإنجاز بهدوء العالم وأدب الحكيم ومهنية المهندس. لذلك كان الأثر بأن نسبة التوظيف لخريجي برامجها التطبيقية الاكاديمية بلغت تقريباً مئة بالمئة. وفي برامجها التأهيلية بين 75-85٪.

وفي الاتجاه ذاته، جاءت “42 عمّان” لتقدّم نموذجاً أكثر جرأة في إعداد الشباب لعالم الاقتصاد الرقمي؛ نموذجاً يقوم على المشاريع، والتعلم التشاركي، وحل المشكلات، ويفتح الباب أمام المواهب بصرف النظر عن خلفياتها الاجتماعية أو مساراتها الأكاديمية التقليدية. وهي رسالة بالغة الدلالة مفادها أن الذكاء الأردني ينبغي أن لا تعوقه الجغرافيا أو محدودية الفرص، وأن شبابنا قادرون على منافسة العالم من عمّان وذيبان ومعان والصافي والخناصري والقويرة والنقيرة والمخيبة والمسيطبة.

ولا تقف مبادرات سموه عند حدود الهوية والتعليم والتدريب، بل تمتد إلى بناء إطار وطني يقود التحول الرقمي ويحوّل التكنولوجيا من قطاع محدود إلى رافعة للنمو وتحسين حياة الناس. فمجلس تكنولوجيا المستقبل يعكس فهماً متقدماً لدور الدولة: أن تجمع الخبرة الحكومية بالقطاع الخاص والجامعات، وأن تحوّل السياسات إلى مشاريع محسوسة في التعليم والصحة والسياحة والخدمات العامة والبحث العلمي والنقل وغيرها. وفي متابعة سموه لأعمال المجلس، تظهر فكرة أساسية مفادها أن التكنولوجيا ليست ترفاً إدارياً ولا زينةً لغوية للتحديث، بل بنية إنتاجية ترفع الكفاءة، وتخفّض الكلفة، وتفتح مجالات عمل جديدة، وتقرّب الدولة من المواطن بلغة العصر ووسائله وأبرز أثر ملموس هو مراكز الخدمات الحكومية التي تحظى برضا الأغلبية الكبرى من المواطنين.

وتحمل زيارة سموه إلى وادي السيليكون ولقاؤه برائد الأعمال الأردني أمجد مسعد، مؤسس Replit دلالة تتجاوز البروتوكول. فحين يلتقي ولي العهد بشاب أردني وصل إلى قلب الاقتصاد التكنولوجي العالمي، ويحتفي بإنجازه الذي بدأ في جامعة الاميرة سمية الرائدة في العلوم التقنية التطبيقية، ويتابع واسرته المنتخب الوطني من المدرجات، فإن الرسالة تصل إلى كل شاب وشابة: الموهبة الأردنية قادرة على المنافسة في كل الميادين، والطموح ليس حلماً بعيداً، والفرصة تبدأ حين تلتقي المعرفة بالإرادة، والثقة بالعمل، والانفتاح على العالم بالاعتزاز بالوطن، ويكون توطين الرياديين الأردنيين نبراس عمل.

وفي سياق مُكمّل أولى سموه السياحة اهتمامه بوصفها قطاعاً اقتصادياً مولّداً للفرص، لا مجرد نشاط موسمي أو مصدر مؤقت للدخل. فالاهتمام بتطوير التجربة السياحية، وتعزيز الاستثمار في المواقع الطبيعية والعلاجية والتراثية، يعكس إدراكاً بأن السياحة قادرة على خلق فرص العمل في المحافظات الأقل تنمية، وتحريك سلاسل واسعة من النشاطات الاقتصادية تمتد من النقل والفندقة والمطاعم إلى الحرف والمنتجات المحلية والخدمات الرقمية. إنها من أكثر القطاعات قدرة على تحويل جمال المكان وكرم الإنسان الأردني إلى قيمة اقتصادية ومعيشية مباشرة. ومن هنا تكتسب العقبة مكانة خاصة في رؤية سمو الأمير الحسين. فهي ليست مجرد منفذ بحري للأردن، بل مدينة قادرة على أن تكون محركاً وطنياً للنمو، بوابة تجمع السياحة والاستثمار في التكنولوجيا والخدمات اللوجستية والاقتصاد الأزرق وريادة الأعمال. وبما تملكه من شاطئ وميناء ومطار ومناخ شتوي مميز، تستطيع العقبة أن تكون بوابة الأردن الاقتصادية إلى العالم، ومنصة لتوليد فرص عمل نوعية لشباب الجنوب. وحين تتكامل فيها السياحة البحرية والرياضية والعلاجية مع كرم الضيافة الاردنية والخدمات الحديثة والاستثمارات البيئية، تصبح مثالاً عملياً على اقتصاد يخلق القيمة ويمنح الناس أسباباً للبقاء والعمل والازدهار في مدينتهم، وبدأ الأثر في مشاريع وطنية كبرى تنطلق من العقبة للوطن.

ومن مجموع هذه النماذج من المبادرات تتضح ملامح فلسفة اقتصادية وسياسية واعدة لدى سمو ولي العهد: دولة قوية لا تحتكر الفرص بل تصنع بيئتها التنافسية؛ دولة تستثمر في الإنسان، وتفتح المجال للمبادرين والشركات كي يبتكروا ويوظفوا وينافسوا؛ ومجتمع لا ينتظر الحلول "من فوق"، بل يشارك في صنعها بالمعرفة والعمل والمبادرة من خلال التمكين. إنها علاقة أكثر نضجاً بين الدولة والمجتمع، تقوم على الثقة والمسؤولية والامل بمستقل أفضل، وعلى أن التنمية ليست قراراً إدارياً فحسب، بل عقد اجتماعي-سياسي وطني بين مؤسسات الدولة ومواطنيها.

ولعل في صورة سموه أباً للنشمية الأميرة إيمان معنى إنسانياً إضافياً لهذه الرؤية. فالأبوة تجعل فكرة المستقبل أكثر قرباً وصدقاً؛ إذ لا يعود الحديث عن التعليم والتكنولوجيا والسياحة وفرص العمل مجرد عناوين في خطط التنمية، بل يصبح سؤالاً شخصياً ووطنياً معاً: أي أردن نتركه لأطفالنا؟ وأي فرص نريد لأبناء هذا الجيل حين يكبرون؟ وما شكل الدولة التي نريدها لهم: دولة تضيق فيها الأحلام، أم وطنٌ يوسع لهم الطريق ويمنحهم أسباب الثقة والكرامة؟

إن الأمل المعقود على سمو الأمير الحسين كبير، لا لأنه يمثل جيلاً جديداً فحسب، بل لأنه يقدم، عبر الأثر الملموس، تصوراً لوطن تنافسي ومنتج وواثق بشبابه. وطن تتحول فيه المهارة إلى فرصة اقتصادية، والفكرة إلى شركة، والزائر إلى قيمة اقتصادية تمتد منفعتها إلى المجتمع المحلي، والمعرفة إلى مورد وطني متجدد. فعندما يدلّ الأثر على صاحبه، تصبح الثقة ليست مجاملة عابرة، بل تصبح استثماراً واعياً في مستقبل الأردن الذي يجسده سمو الأمير الحسين.

[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }