وبحسب خبراء فإن المجتمعات الأكثر هشاشة هي الأعلى ثمناً في كل موجة حر تجتاح الكرة الأرضية، إذ تفتقر الأسر محدودة الدخل في الغالب إلى السكن الملائم وأجهزة التبريد والوصول المستقر إلى المياه والطاقة، في حين تظل المجتمعات الأثرى بمنأى عن الوطأة الأشد قسوة لهذه الظاهرة، وهو ما يجعل موجات الحر في جوهرها أزمةً اجتماعية قبل أن تكون مناخية.
وفي هذا السياق تبرز إشكالية العدالة المناخية بوصفها المفهوم الذي يطرح تساؤلاً جوهريا، هل يتحمل المسؤولية من تسبّب في الأزمة، أم يظل العبء ملقىً على كاهل من لم يفعل أزمة المناخ، وهي مسألة تمتد من العلاقة بين الدول إلى داخل المجتمع الواحد، حيث تتفاوت القدرة على التكيف بحسب الدخل والجنس والسن والانتماء.
وتقول هلا مراد خبيرة العدالة المناخية إن آثار تغير المناخ لا تقع بالتساوي، فالفئات الأكثر حرماناً كالنساء والأطفال والفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة والشعوب الأصلية هي الأشد تضرراً رغم أنها الأقل إسهاماً في الانبعاثات، مشيرةً إلى أن أي سياسة مناخية جادة لا يمكن أن تتجاهل هذا الخلل وتعيد إنتاجه.
وتتكشّف أرقام الأزمة بصورة صارخة حين تُقرأ في سياق المسؤولية، فوفق تقرير صادر عن منظمة أوكسفام ومعهد ستوكهولم عام 2025، تسبّب أغنى واحد بالمئة من سكان العالم في انبعاثات كربونية تعادل ضعف ما أنتجه أفقر خمسين بالمئة من البشر على مدار خمسة وعشرين عاماً بين عامَي 1990 و2015.
وجاء تقرير لاحق عام 2025 ليؤكد أن الانبعاثات الكربونية لأغنى واحد بالمئة تعادل مجتمعةً ما ينتجه أفقر ستة وستين بالمئة من البشر.
وتتسع الفجوة أكثر حين تُدرج إليها معطيات المنتدى الاقتصادي العالمي التي تكشف أن أغنى عشرة بالمئة من سكان الأرض يتسببون في نحو خمسين بالمئة من إجمالي انبعاثات الكربون العالمية. أما على صعيد الدول، فإن عشرة بالمئة من أغنى دول العالم تتحمل مسؤولية نصف الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، في مقابل عشرة بالمئة فحسب تصدرها خمسون بالمئة من أفقر دول العالم.
ويحذّر الدكتور رمضان حمزة المتخصص في تغير المناخ والسياسات المائية من أن الاضطرابات المناخية التي يشهدها العالم مرشحة للاستمرار حتى عام 2050، مؤكداً أن التغيرات المناخية لا تعترف بالحدود السياسية، وأن غياب العدالة المناخية بين الدول المسببة والمتضررة يعمّق الفجوة ويؤخر الوصول إلى حلول جذرية.
وأمام هذا الواقع يرى الخبراء أن مواجهة موجات الحر وتداعياتها تستلزم استثمارات واسعة في الإسكان المستدام والبنية التحتية الخضراء والرعاية الصحية وأنظمة الحماية الاجتماعية، إذ لم يعد التكيف مع عالم أشد حرارة خياراً قابلاً للتأجيل، بل بات ضرورة تفرضها العدالة قبل أن تفرضها المناخيات.