هذا بالضبط ما تحذر منه مقالة في مجلة Foreign Affairs بعنوان كيف ننجو من الصدمة، فالتحدي ليس في التعامل مع التكنولوجيا نفسها، وإنما في "الصدمة" التي ستصيب الدول التي تتأخر في الاستعداد لها، فكما لم تكن الكهرباء مجرد اختراع جديد، بل بداية لعصر اقتصادي جديد، سيشكل الذكاء الاصطناعي اللبنة الاولى في بنية اقتصادية مختلفة بالكامل.
تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن نحو 40% من الوظائف حول العالم ستتأثر بالذكاء الاصطناعي بدرجات متفاوتة، بينما ترتفع النسبة في الاقتصادات المتقدمة إلى نحو 60%.وفي المقابل، تتوقع مؤسسات دولية أن يضيف الذكاء الاصطناعي ما يقارب 15 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، هذه الأرقام لا تعني أن ملايين الوظائف ستختفي، بل تعني أن طبيعة العمل نفسها ستتغير، وأن القيمة الاقتصادية ستنتقل إلى من يملك المعرفة والبيانات والقدرة الحاسوبية.
وهنا يكمن مربط الجمل، فالدول التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعًا تقنيًا محصورا في تطبيقات خدمية معينة ستتأخر، بينما الدول التي تعتبره مشروعًا اقتصاديًا وسياديًا ولغة جديدة يجب أن تتحدثها ستكون أكثر قدرة على الكسب في سباق مراكز البيانات، والطاقة، والاتصالات، والمهارات البشرية القادرة على إنتاج المعرفة وإدارتها.
لقد وصل الذكاء الاصطناعي إلى الأردن، وبدأ بالفعل بتغيير طريقة عمل الشركات المؤسسات والجامعات، حتى الحكومات، والتحدي الحقيق أمامنا هو: هل سنكتفي باستخدام تطبيقاته، أم سنشارك في بناء الاقتصاد الذي يقوم عليها؟
فالبون بين الخيارين شاسع، فالأول يجعلنا مستهلكين لتكنولوجيا يصنعها الآخرون، أما الثاني فيمنحنا فرصة للمشاركة في صناعة القيمة المضافة وجذب الاستثمارات وخلق وظائف المستقبل والحفاظ على امننا وسيادتنا.
أردنياً ، لا تبدو القضية تقنية بقدر تعلقها بالتوجهات التي نتبناها اليوم، فنحن لسنا مطالبين بمنافسة الولايات المتحدة أو الصين في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، لكننا نستطيع أن نكون جزءًا من الاقتصاد الذي سيتطور خدمة لها، فالقيمة لن تذهب فقط إلى من يبتكر الخوارزميات، بل أيضًا إلى من يوفر البنية التحتية اللازمة لها والقدرات البشرية الضرورية لعملها وتتطورها والطاقة الضرورية لتشغليها.
ولعل هذا ما يجعل الاستثمار في البنية التحتية الرقمية اليوم يشبه الاستثمار في الطرق والموانئ قبل عقود، فكل مركز بيانات جديد هو نقطة جذب لعمالقة هذه الثورة الاقتصادية الحديثة، وهو كذلك فرصة لإيجاد فرص عمل وصناعات وخدمات جديدة، ليكون الذكاء الاصطناعي هو المورد الذي طالما بحث عنه الأردن؛ مورد لا يعتمد على ما تختزنه الأرض، بل على ما تنتجه العقول.
النجاح في استغلال هذا الزلزال التكنولوجي يتطلب منا تغييرا شاملا في التوجهات وآليات التفكير وروافع القرار لدينا، فالجامعات مطالبة بتخريج شباب قادر على التعلم المستمر وإنتاج المعرفة، بدل حشوهم بالمعلومات، وكذلك سوق العمل مطالب بإطلاق برامج لإعادة تأهيل العاملين قبل أن تفرض التكنولوجيا واقعًا جديدًا عليهم، أما الحكومة، فعليها أن تنظر إلى الاقتصاد الرقمي باعتباره ملفًا سياديًا لا يقل أهمية عن الطاقة أو المياه أو الأمن الغذائي.
ففي عالم يتطور بسرعة فائقة، يتحول التباطؤ من مجرد خسارة لفرصة، إلى فجوة يصعب تعويضها، وخسارة للثروة، والصدمة لن يصنعها الذكاء الاصطناعي، بل سيصنعها التأخر في فهمه والاستعداد له.