خيارات الانسحاب من جنوب لبنان تثير نقاشاً سياسياً وأمنياً داخل إسرائيل

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 26-6-2026

في المشهد المتغير للصراع في الشرق الأوسط، تبرز الساحة اللبنانية باعتبارها إحدى أكثر ساحات التوتر حساسية، حيث يتداخل التصعيد العسكري مع المناورات الدبلوماسية الكبرى بين واشنطن وطهران.

ففي الوقت الذي يواصل فيه الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية في جنوب لبنان بذريعة مواجهة «تهديدات وشيكة» من حزب الله، تتسارع التحركات السياسية المرتبطة بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية، بما يجعل الجبهة اللبنانية ورقة مؤثرة في حسابات الطرفين.

ويثير هذا المشهد جملة من الأسئلة حول طبيعة الدور الذي يؤديه الجيش الإسرائيلي في لبنان، وحدود التزامه باتفاق وقف إطلاق النار، وانعكاسات هذه العمليات على المسار التفاوضي مع إيران، فضلاً عن مستقبل الاستراتيجية الإسرائيلية في الساحة اللبنانية.

ويصف بعض الإسرائيليين ما يقوم به الجيش في جنوب لبنان بأنه أشبه بعملية «تنظيف الأسنان» قبل استبدال «طقم الأسنان» المهشم، في إشارة إلى عمليات محدودة تفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة.

وفي هذا السياق، تجيب الكاتبة أرييلا رينغل هوفمان في مقال افتتاحي نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن سؤال حول ما يفعله الجيش الإسرائيلي في لبنان بقولها إن الجواب باختصار هو: «لا شيء.. لا توجد هجمات مدبرة، لقد أوقفوا التقدم، وهم يعملون على استقرار الأوضاع في الأراضي المحتلة».

غير أن هذا التوصيف يتناقض مع الوقائع الميدانية التي تنقلها وسائل الإعلام الإسرائيلية. فبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، قتل الجيش الإسرائيلي عناصر من حزب الله في حادثتين منفصلتين بمنطقة «علي طاهر ريدج» الواقعة على أطراف المنطقة الأمنية في جنوب لبنان. ففي الحادثة الأولى قُتل عنصران وأصيب اثنان آخران، بينما استهدفت العملية الثانية أربعة مقاتلين كانوا يقتربون من المنطقة نفسها باستخدام جرافة ودراجة نارية.

وفي تطور آخر، أعلن الجيش الإسرائيلي في 19 حزيران أنه شن هجوماً واسعاً استهدف 80 هدفاً تابعاً لحزب الله في جنوب لبنان وسهل البقاع، مبرراً العملية بأنها رد على ما وصفه بـ"الانتهاكات المتكررة والفاضحة» لوقف إطلاق النار.

وأوضح أن الضربات استهدفت مراكز قيادة ومقاتلين وقاذفات وبنى تحتية للحزب داخل المنطقة الأمنية وخارجها، في اعتراف يعكس أن الجيش لا يكتفي بردود محدودة، بل ينفذ ضربات استباقية واسعة مستغلاً أي ذريعة لتوجيه ضربات مؤلمة للحزب رغم الاتفاقات القائمة.

وفي موازاة ذلك، كشفت صحيفة «جيروزاليم بوست» عن ثلاثة خيارات رئيسية يجري تداولها بشأن خطوط الانسحاب الإسرائيلي المحتملة من جنوب لبنان. ويتمثل الخيار الأول بالعودة إلى الخط الذي كان قائماً قبل 26 أيار، حين لم تكن القوات الإسرائيلية قد عبرت نهر الليطاني أو وادي السلوقي. أما الخيار الثاني فيقضي بالتمركز عند أحد الخطوط الممتدة عبر القرى الثلاث في جنوب لبنان، حيث توغلت القوات الإسرائيلية لمسافة تراوح بين ثلاثة وخمسة كيلومترات. بينما يقوم الخيار الثالث على الانسحاب إلى المواقع الخمسة التي تمركزت فيها القوات منذ شباط 2025، والتي تبعد مئات الأمتار فقط عن الحدود.

ويثير الإعلان عن «آلية التهدئة» الجديدة، التي خرجت من المفاوضات الأمريكية الإيرانية بوساطة قطرية وباكستانية، حالة من القلق داخل إسرائيل، إذ تضم الآلية الولايات المتحدة وإيران ولبنان وقطر وباكستان، من دون أي تمثيل إسرائيلي رسمي، وهو ما تعتبره الأوساط الإسرائيلية مؤشراً إلى احتمال تقييد حرية الجيش الإسرائيلي في تنفيذ عملياته على الحدود الشمالية.

وفي هذا الإطار، وصف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ المبادرة بأنها غير مقبولة، مؤكداً أن أي تسوية دائمة يجب أن تنبثق من مفاوضات مباشرة بين إسرائيل ولبنان، وليس عبر ما وصفه بـ"الضغوط الإيرانية».

كما تعكس التحليلات المنشورة في صحيفة «معاريف» انقساماً واضحاً داخل إسرائيل بشأن الاتفاق، فقد اعتبر أفرايم غانور أن الحرب ضد إيران انتهت بـ"فشل مدو»، معتبراً أنها تركت إيران، التي كانت على حد وصفه على شفا انهيار شامل، «المنتصرة الأكبر»، محذراً من أن الاتفاق سيضخ مليارات الدولارات إلى طهران بما يساعدها على إعادة بناء اقتصادها وقواتها المسلحة وحلفائها، ومخلصاً إلى أن «هذه الحكومة السيئة التي جلبتنا إلى هذا الواقع الرهيب يجب أن تختفي على الفور».

في المقابل، يرى ران أدليست، أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يمثل أفضل ما حدث لإسرائيل منذ وصول حكومة اليمين إلى السلطة، معتبراً أنه سيحول دون اندلاع حرب جديدة عبر آليات رقابة دولية، محذراً من أن رفضه قد يقود إلى فرض عقوبات من مجلس الأمن من دون استخدام الولايات المتحدة حق النقض.

ويحذر عدد من المحللين من أن إسرائيل، في حال عدم رضاها عن الاتفاق، قد تلجأ إلى استخدام الساحة اللبنانية وسيلة للضغط من أجل تعطيله. ويقول آهرون بريغمان، المحاضر في كلية كينغز كوليدج لندن، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «سيبذل كل ما في وسعه لتعطيل الصفقة، إن لم يكن الآن ففي الأسابيع والأشهر المقبلة، وستكون أداته في ذلك لبنان».

وفي قراءة استراتيجية، يقدم المقدم احتياط أور هوربيتس، رئيس فرع حزب الله السابق في الاستخبارات العسكرية، تصوراً لمستقبل السياسة الإسرائيلية في لبنان، معترفاً بأن الوضع الاستراتيجي لإسرائيل أصبح أسوأ مما كان عليه قبل حملة «زئير الأسد»، وأنها انتقلت من مرحلة حرية العمل شبه المطلقة إلى واقع تفرضه قيود كبيرة.

ومع ذلك، يرى هوربيتس أن الظروف الحالية تتيح فرصة استراتيجية، مستنداً إلى أن النظام السوري الجديد يحمل موقفاً عدائياً عميقاً تجاه حزب الله، بما يسمح بإغلاق شبه كامل لـ"أنبوب الحياة» الذي اعتمد عليه الحزب في نقل الأموال والأسلحة، إضافة إلى ما يصفه بعزلة غير مسبوقة يعيشها الحزب داخل لبنان، حتى في أوساط جزء من بيئته الشيعية.

وانطلاقاً من ذلك، يقترح هوربيتس استراتيجية تقوم على توسيع هامش حرية العمل العسكري الإسرائيلي في لبنان من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران، والعمل على إغلاق شبه كامل للحدود السورية اللبنانية أمام عمليات التهريب عبر تعاون سوري ولبناني وأمريكي وإسرائيلي، إلى جانب إبعاد نفوذ حزب الله عن الجيش اللبناني والموانئ والمطارات، ودفع مسار سلام جدي مع الدولة اللبنانية تكون إسرائيل مستعدة خلاله لتقديم «الجزر وليس العصي فقط»، بما يشمل تحديد الظروف التي تسمح بتخفيف تدريجي لوجودها العسكري في جنوب لبنان.

ويختتم هوربيتس رؤيته بانتقاد لاذع، قائلاً إن «إسرائيل تعمل الآن في لبنان كخُلد أعمى فقد حاسة الشم، فهي ترد على الفعل من دون اتجاه، وفي هذا التوقيت تحديداً، حيث تبدو الظروف أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، فإن ما تحتاج إليه هو استراتيجية واضحة ومبادرة».

وفي المحصلة، يبقى السؤال الأساسي مطروحاً حول قدرة إسرائيل على تحويل وجودها العسكري في لبنان إلى مكسب استراتيجي، أم أن هذا الوجود سيتحول إلى عبء إضافي يفاقم عزلتها الدولية ويزيد احتمالات الانزلاق نحو مواجهة إقليمية واسعة.

غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن الحلول التي تطرحها المؤسسة العسكرية والحكومة الإسرائيلية ليست جديدة، بل سبق اختبارها وأثبتت محدودية نتائجها، ما يجعل تكرارها في لبنان أقرب إلى إعادة إنتاج إخفاقات الماضي، ويعزز القناعة بأن البقاء العسكري هناك لن يفضي إلى نتائج مختلفة.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }