في السادس والعشرين من حزيران من كل عام، يحيي العالم اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، وهي مناسبة تُسلّط الضوء على واحدة من أخطر الآفات التي تهدد الأفراد والأسر والمجتمعات. فالمخدرات ليست مجرد مواد تُتعاطى، بل قضية إنسانية ونفسية واجتماعية تترك آثارًا عميقة تمتد إلى حياة الإنسان ومستقبله وعلاقاته بمن حوله.
ولا تأتي المخدرات إلى الإنسان وهي تحمل لافتة الخطر، ولا تطرق الأبواب معلنةً أنها ستسرق الأحلام وتبعثر العمر. بل تأتي غالبًا متخفية في هيئة فضولٍ عابر، أو تجربة يصفها البعض بأنها 'مرة واحدة فقط'، أو وعدٍ كاذب بالراحة والهروب من ضغوط الحياة. تهمس لصاحبها بأنها ستخفف عنه الألم وتمنحه بعض السكينة، لكنه لا يدرك أن ما يبدو مخرجًا مؤقتًا قد يتحول إلى طريق يفقد فيه تدريجيًا السيطرة على حياته.
ومن منظور علم النفس، لا يبدأ الإدمان عادةً بحب المخدرات، بل بمحاولة الهروب من ألم نفسي أو قلق أو اكتئاب أو شعور بالوحدة والفراغ. يبحث الشخص عن راحة سريعة، فتمنحه المخدرات شعورًا مؤقتًا بالتحسن، لكنها لا تعالج السبب الحقيقي للمشكلة، بل تضيف إليها مشكلة أكبر وأكثر تعقيدًا.
ومع تكرار التعاطي، تحدث تغيرات في الدماغ تؤثر في مراكز المكافأة والدافعية واتخاذ القرار، فيجد الشخص نفسه بحاجة متزايدة إلى المادة المخدرة للحصول على التأثير نفسه. وهنا يتحول الأمر من تجربة عابرة إلى دائرة يصعب الخروج منها دون مساعدة وعلاج متخصص.
ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الإدمان مجرد ضعف في الإرادة. فالحقيقة العلمية تؤكد أنه اضطراب معقد تتداخل فيه عوامل نفسية وبيولوجية واجتماعية. وهذا لا يلغي مسؤولية الفرد، لكنه يوضح أهمية التعامل مع المدمن بالعلاج والتأهيل بدل الاكتفاء باللوم والوصمة الاجتماعية.
ولا تقتصر آثار المخدرات على المتعاطي وحده، بل تمتد إلى أسرته ومحيطه. فكم من أسرة فقدت استقرارها بسبب الإدمان، وكم من أب أو أم عاشا سنوات من القلق والخوف على ابن أو ابنة وقعوا في هذا الطريق. إن الإدمان لا يصنع ضحية واحدة، بل يترك أثره في كل من يحيط بالشخص المدمن.
كما أن الشباب والمراهقين من أكثر الفئات عرضة للخطر بسبب الفضول، وتأثير الأصدقاء، والرغبة في التجربة وإثبات الذات. لذلك فإن الوقاية تبدأ بالحوار داخل الأسرة، وتعزيز الثقة بالنفس، ورفع الوعي بمخاطر المخدرات، وتوفير بيئة داعمة تساعد الشباب على مواجهة الضغوط بطرق صحية وآمنة.
إن مكافحة المخدرات لا تبدأ عند لحظة التعاطي، بل تبدأ قبل ذلك بكثير. تبدأ بالاهتمام بالصحة النفسية، وبالاستماع إلى من يعانون بصمت، وبكسر وصمة طلب المساعدة النفسية. فكلما كان الإنسان قادرًا على التعبير عن ألمه وطلب الدعم عند الحاجة، كان أقل عرضة للبحث عن حلول وهمية قد تقوده إلى الإدمان.
وفي اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، تبقى الرسالة الأهم أن الوقاية ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية مجتمع بأكمله. فالمخدرات لا تمنح الحرية التي تعد بها، بل تسلب الإنسان حريته تدريجيًا. إنها طريق يبدأ باختيار صغير، لكنه قد ينتهي بخسارة العقل والصحة والمستقبل، ولذلك يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الآفة وحماية الأجيال القادمة منها.
د. ناديا محمد نصير
أخصائية العلاج النفسي
المخدرات: الطريق الذي يبدأ باختيار وينتهي بفقدان السيطرة
10:58 25-6-2026
آخر تعديل :
الخميس