كتاب

الطمأنينة ليست صدفة.. بل قرار


في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتزاحم فيه الأخبار، وتتقلب فيه الأحوال بين لحظة وأخرى، باتت الطمأنينة مطلبًا إنسانيًا عزيزًا، يبحث عنه الجميع، ويشتاق إليه القريب والبعيد، والكبير والصغير. ولعل الخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس أنهم يتعاملون مع الطمأنينة على أنها هبة خارجية تأتي حين تستقر الظروف، أو هدية يمنحها الزمن عندما تهدأ العواصف، بينما الحقيقة أعمق من ذلك بكثير؛ فالطمأنينة ليست صدفة، بل قرار. نعم، قرار يتخذه الإنسان كل يوم، وهو يختار كيف ينظر إلى الحياة، وكيف يتعامل مع التحديات، وكيف يدير مشاعره وأفكاره وسط عالم مليء بالمتغيرات. فالذي يربط سعادته وراحته بما يجري حوله سيبقى أسيرًا لتقلبات الواقع، أما الذي يبني سكينته من الداخل فسيجد في قلبه ملاذًا آمنًا مهما اشتدت الرياح من حوله.
لقد علّمنا القرآن الكريم أن الطمأنينة تبدأ من العلاقة بالله تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾. فالذكر ليس مجرد كلمات تُقال، بل حالة من الحضور الإيماني التي تجعل الإنسان يدرك أن لهذا الكون ربًا حكيمًا يدبر الأمر كله، وأن ما يجري فيه ليس عبثًا ولا فوضى. وحين يستقر هذا المعنى في القلب، تتراجع مساحة الخوف، وتتسع مساحة اليقين.
والطمأنينة لا تعني غياب المشكلات، فالحياة لم تكن يومًا خالية من الابتلاءات. الأنبياء عليهم السلام واجهوا المحن، والصالحون مروا بالأزمات، والناجحون عرفوا لحظات الانكسار قبل الانتصار. لكن الفارق أن بعض الناس يعيشون داخل المشكلة، بينما يعيش آخرون فوقها. الأول يستهلكه القلق، والثاني يدير القلق ولا يسمح له أن يديره.
وفي زمن أصبحت فيه الهواتف نافذة مفتوحة على العالم كله، صار الإنسان يتلقى في يوم واحد من الأخبار والصور والمشاهد ما لم يكن يتلقاه أجداده في أشهر وربما سنوات. هذا التدفق الهائل للمعلومات جعل القلق ينتشر بسرعة، وجعل كثيرين يعيشون أزمات لم يمروا بها أصلًا، وإنما شاهدوها على الشاشات. ومن هنا أصبحت الطمأنينة قرارًا واعيًا يقتضي أن نختار ما نتابع، وأن نمنح عقولنا فترات من الراحة، وأن ندرك أن كثرة التعرض للمخاوف لا تصنع وعيًا بقدر ما تصنع إنهاكًا نفسيًا.
كما أن الطمأنينة قرار تربوي داخل الأسرة. فالبيت الذي يكثر فيه التوتر، وتعلو فيه نبرة الخوف، وينشأ أفراده على توقع الأسوأ دائمًا، يزرع القلق في نفوس أبنائه دون أن يشعر. أما البيت الذي يجمع بين الواقعية والأمل، وبين التخطيط والتوكل، فإنه يربي جيلًا أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثقة واتزان.
وفي ميدان القيادة، لا يحتاج الناس دائمًا إلى من يملك الإجابات كلها، بقدر حاجتهم إلى من يمنحهم الثقة والأمل. فالقائد الحقيقي لا ينقل الذعر، بل ينقل الرؤية. ولا يضخم المخاطر، بل يساعد الآخرين على التعامل معها. ولهذا كانت الطمأنينة إحدى أهم الصفات التي تميز القادة العظام في أوقات الأزمات.
ولعل أجمل ما في الطمأنينة أنها لا تحتاج إلى ظروف مثالية حتى تنمو. قد يجدها إنسان في سجدة صادقة، أو دعوة خاشعة، أو لحظة تأمل هادئة، أو كلمة طيبة، أو عمل خير يقدمه للآخرين. إنها ثمرة توازن بين الإيمان والعمل، وبين الأخذ بالأسباب والرضا بالنتائج.
وفي الختام، لن نستطيع أن نتحكم في كل ما يحدث حولنا، لكننا نستطيع أن نتحكم في طريقة استجابتنا لما يحدث. ولن نملك دائمًا تغيير الظروف، لكننا نملك أن نحافظ على قلوبنا من الانهيار أمامها. فالطمأنينة ليست بابًا ننتظر أن يُفتح لنا، بل طريق نقرر أن نسلكه، وخيار نمارسه كل يوم، حتى تصبح السكينة جزءًا من شخصيتنا، والأمل أسلوب حياة، والثقة بالله نورًا يبدد ظلمات الخوف والقلق.