كتاب

الثقافة الابتكارية بين زمن الجامعة وزمن السوق


في زيارة سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني إلى الولايات المتحدة اتجه المسار نحو مراكز الابتكار والشركات الريادية العالمية التي تعمل داخل بيئة مغايرة تماماً للنموذج الأكاديمي الكلاسيكي. وكانت شركة ((Zipline لتقنيات الطائرات المسيرة شواهد حية؛ حيث تتحول الفكرة هناك إلى تطبيق مباشر، وتدخل التجربة في صلب عملية الابتكار .
الزيارة كانت بحثاً في مخرجات استراتيجية تمس واقعنا؛ حيث ركزت الزيارة على نقل تكنولوجيا الخدمات اللوجستية المؤتمتة للأردن، والأهم من ذلك: فتح أبواب التدريب العالمي للشباب الأردني ليكونوا شركاء في تشغيل هذه المنظومات الذكية.
الصورة التي تعكسها هذه التجارب العالمية تكشف تحولاً أوسع في مفهوم الثقافة الابتكارية، أصبحت رهناً بالبيئات التي تسمح بحركة المعرفة عبر مسارات متعددة ومتشابكة: من الفكرة إلى التطبيق، ومن البحث إلى السوق، ومن التجربة إلى التحسين المستمر.
في المقابل، ما زالت أجزاء واسعة من منظومتنا التعليمية والجامعية التقليدية تعمل ضمن بنية تراكمية مستقرة وبطيئة. المعرفة تُقدَّم في مساقات محددة، تُختبر داخل إطار مغلق (امتحانات وقاعات)، ثم تُستعاد في شكل نتائج أكاديمية وشهادات، بلا شك هذه الدورة تنتج معرفة منظمة، لكنها لا تضمن انتقالها إلى فضاء التطبيق.
فرض الجيل الرابع من الثورة الصناعية إيقاعاً مختلفاً على إنتاج المعرفة. التقنيات الناشئة، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة الرقمية تعمل داخل زمن أسرع بكثير من 'الزمن الأكاديمي' الذي يحتاج شهوراً أو سنوات لتعديل مساق دراسي واحد. في التجارب العالمية المتقدمة، تتحرك الثقافة الابتكارية داخل شبكات مفتوحة؛ فالجامعة تتصل بالصناعة، والمختبر يرتبط بالسوق، والفكرة تنتقل بين هذه الدوائر دون حواجز بيروقراطية.
التحدي الحقيقي في بيئتنا المحلية في غياب 'البنية التحتية التشريعية والتنظيمية' التي تسمح بتداول هذه المعرفة وتسييلها بين الفاعلين المختلفين.
وإذا ما نظرنا إلى الواقع الأردني، وفي ظل السعي الدؤوب لتنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي التي تولي الابتكار والريادة أهمية قصوى، فإننا نمتلك فرصة ذهبية لكسر هذه العزلة. إن الأردن، الغني بموارده البشرية الكفؤة وقطاع تكنولوجيا المعلومات الواعد فيه، بحاجة ماسة اليوم إلى إيجاد ما يُعرف بـ 'البيئات التجريبية المرنة' تتيح للشباب والمبتكرين في جامعاتنا ومراكزنا الريادية اختبار أفكارهم وتقنياتهم مباشرة في الميدان.
إن إعادة بناء الثقافة الابتكارية تحتاج إعادة تشكيل العلاقة العضوية بين التعليم والتجربة، وتغيير الثقافة المجتمعية والتعليمية تجاه 'الخطأ'.
إلى جانب ذلك، يجب تفعيل دور الصناديق التمويلية الاستثمارية ورأس المال الجريء ليقترب من عتبات الجامعات ومشاريع التخرج.
المشهد الذي تقدمه الرؤى الحديثة واضح: المعرفة التي لا تتحرك خارج حدودها الأكاديمية تبقى معرفة ساكنة، أما المعرفة التي تدخل في مخاض التجربة المباشرة والاحتكاك بالسوق فهي التي تتحول إلى ابتكار يصنع فرص العمل ويقود النمو.