نجحت المنتخبات والفرق في المنافسات الرياضية على الصعد الوطنية والقارية والدولية بتشكيل ثقافة لدى شعوب العالم، لتتقبل الخسارة وتفرح بالفوز.
مثلما بنت علاقات حميمة بين المجتمع الواحد ونسجت صداقات بين الشعوب، بعد أن أسهمت بتعزيز الحس الوطني لكل بلد من البلدان التي تشارك في المحافل الرياضية العالمية.
مختصون في علم الاجتماع وعلوم الرياضة وعلم النفس، أكدوا على ضرورة إبراز الثقافة الرياضية عند تنظيم المناسبات التنافسية باعتبار أن هذه الثقافة تعكس وتنمّي الوعي المجتمعي.
كأس العالم الحالية، ومشاركة منتخبنا الوطني «النشامى» فيها، خير مثال على إظهار هذه الثقافة، وقد عبّر الشعب الأردني عن التفافه ودعمه المعنوي للمنتخب، حيث قال مختصون في هذا الجانب، لـ«الرأي»:
د. فيصل غرايبة (أكاديمي وباحث في
علم اجتماع)
في البطولات الرياضية تزدهر العاطفة والصداقة الحميمة، وفي كل مجتمع يوجد حقل نابض من الأحلام حيث يزرع الرياضيون بذور المستقبل، يرتقي المشاركون مدفوعين بالموهبة والتصميم الذي لا يتزعزع، اذ تقوم البطولات المحلية والاقليمية على المواهب فهي بمثابة حجر الزاوية لتنمية المجتمع والمشاركة الشعبية.
كل مباراة هي قصة للمشاعر الإنسانية وفي كل بطولة، هناك قصة انتصارات، تتجاوز حدود اللعبة.
هذه القصص لا تتعلق بالمجد الشخصي فحسب؛ إنما يمثل المشاركون بالمباريات التطلعات الجماعية والعمل الجاد لمجتمعاتها بأكملها، وفي قلب كل بطولة محلية او إقليمية، هناك رواية عن المرونة التي يتردد صداها خارج حدود الملعب، هذه الرواية منسوجة من نسيج النضالات الفردية والجماعية التي يواجهها الرياضيون والمنظمات، مما يشكل شخصية وثبات أبطال المجتمع.
مثلما توفر البطولات الرياضية منصة للأفراد من جميع الأعمار للمشاركة في النشاط البدني او بالمشاعر اليقظة، وتعزز الشعور بالانتماء والفخر المجتمعي، علاوة على الاستثمار في المستقبل، وتنقل أيضًا المهارات والقيم الحياتية مثل العمل الجماعي والانضباط والاحترام، وغالبًا ما تكون البطولات بمثابة بوتقة تنصهر فيها الثقافات المتنوعة معًا على أرضية مشتركة، حيث لا يتشارك اللاعبون من خلفيات مختلفة في الملعب فحسب، بل يتشاركون أيضًا في الخبرات الثقافية.
هذا بالاضافة الى ربط المشاركة المنتظمة في الدوريات المحلية بتحسين الصحة البدنية والعقلية، ومما يشجع العائلات على البقاء نشطين، ويعزز الرفاهية العامة داخل المجتمع.
انه من خلال ما ذكرت، يمكن للمواطن الأردني أن يقدر حقًا الدور الحيوي الذي تلعبه البطولات الرياضية المحلية والاقليمية والعالمية في إثراء حياة أفراد المجتمع، ورعاية الأجيال القادمة، والاحتفال بالروح الإنسانية، والتي قد لا تتمتع بعظمة الدوريات الاحترافية، لكن تأثيرها عميق وبعيد المدى، ويتردد صداه مع نبض قلب المجتمع.
كما يقف خلف هؤلاء الرياضيين مرشدون ساهموا في تشكيل رحلتهم، كقصة مايكل جوردان التي تم فصله من فريق كرة السلة في المدرسة الثانوية ليصبح واحدًا من أعظم الفرق تحت وصاية المدرب دين سميث وهي شهادة على قوة الإرشاد.
وغالبًا ما تكون المنافسات بمثابة الخلفية لظهور الأساطير؛ فقد بدأت المنافسة الشديدة بين لاري بيرد وماجيك جونسون في الكلية وازدهرت في الدوري الاميركي للمحترفين، حيث دفع كل منهما الآخر إلى العظمة، كما أن دعم المجتمع يوفر الأساس لهؤلاء الرياضيين، والشركات المحلية التي ترعى الفرق، والمشجعين الذين يملؤون المدرجات، والعائلات التي توفر نظام الدعم كلها جزء من هذا السرد.
البطولات تصنع قصصاً وتغرس شعورًا بالفخر والانتماء يتجاوز مجرد النتيجة بالمباريات اذ أنها ليست مجرد مسابقات، وتحقق ما هو أكثر من مجرد تعزيز المواهب الرياضية؛ فهي بمثابة حجر الزاوية لتنمية المجتمع والمشاركة. هذه الدوريات، التي يديرها غالبًا متحمسون، تخلق تأثيرًا مضاعفًا للتغيير الإيجابي، الذي يمتد إلى ما هو أبعد من صافرة النهاية في أي مباراة.
وتجمع البطولات بين الأشخاص من خلفيات متنوعة، مما يعزز الشمولية والتفاهم، كما تشجع الأحداث الرياضية المجتمعية المنتظمة على اتباع أسلوب حياة نشط، مما قد يؤدي إلى تحسين النتائج الصحية.
لدى دوري كرة القدم للناشئين شراكة مع المدارس لدمج الرياضة في المناهج التعليمية، مع التركيز على أهمية التربية البدنية، وفي كل دوري رياضي يوجد نسيج من خيوط المنافسة والصداقة الحميمة.
كما يلعب المشجعون دورًا محوريًا في تشكيل النسيج الاجتماعي للبطولات، يمكن لدعمهم أن يقلب مجرى الألعاب ويخلق جوًا من الوحدة.
ومن خلال هذه العلاقات تصبح البطولات حجر الزاوية في هوية المجتمع، وإظهار قوة الرياضة كقوة موحدة، ويؤكد التفاعل بين التنافس والصداقة داخل هذه البطولات التأثير العميق الذي يمكن أن تحدثه الرياضة في جمع الناس معًا، والاحتفال بالروح الإنسانية.
د.حسن السعود (عميد كلية العلوم الرياضية، السابق بالجامعة بالأردنية)
لقد قدمت مشاركة منتخبنا الوطني في كأس العالم فرصة مهمة للتأمل في العديد من الدروس والعبر، فالفوز والخسارة جزء طبيعي من الرياضة، أما الأخلاق والقيم والروح الرياضية فهي الإنجاز الحقيقي الذي يبقى أثره في النفوس والأجيال، كما أن الصورة الحقيقية للأوطان لا يصنعها اللاعبون وحدهم، بل يسهم في رسمها الجمهور والإعلام ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي من خلال طريقة التعبير والتفاعل مع الأحداث الرياضية.
إن الرياضة يجب أن تبقى وسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية والانتماء، وغرس قيم الاحترام والمسؤولية والانضباط لدى الشباب.
كأس العالم يمثل فرصة لدراسة سلوك الشعوب والأمم في الفرح والخسارة والانفعال تحت الضغط، ردود الأفعال بعد المباريات تعكس مستوى الوعي المجتمعي والثقافة الرياضية أكثر مما تعكس نتيجة المباراة نفسها، الرياضة وسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية والانتماء، لا لتعميق الانقسام أو التعصب، وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءاً من الحدث الرياضي، ما يضاعف مسؤولية الفرد في اختيار كلماته وسلوكه.
الصورة الحقيقية للدول لا يرسمها اللاعبون فقط، بل يرسمها أيضاً جمهورها وإعلامها ومتابعوها، الفوز مؤقت والخسارة مؤقتة، أما الأخلاق والقيم التي تظهر أثناء المنافسة فهي الباقية والأكثر تأثيراً.
ضرورة تقديم نموذج أردني راقٍ في التشجيع والحوار واحترام المنافس يعكس أصالة المجتمع الأردني.
تحويل شغف الجماهير بكرة القدم إلى فرصة لغرس قيم الاحترام والمسؤولية والانضباط لدى الشباب.
كأس العالم ليس فقط بطولة رياضية، بل منصة عالمية لإبراز الهوية الوطنية والثقافة والقيم الإنسانية.
الرسالة الختامية: كيف نتحدث بعد المباراة قد يكون أهم أحياناً من نتيجة المباراة.
"الدرس الأهم من كأس العالم ليس من يفوز ومن يخسر، بل كيف نتعامل مع الفوز والخسارة».
د.فراس الحبيس(أستاذ مشارك في علم النفس بالجامعة بالأردنية)
تشكل المنافسات الرياضية ومنها بطولات كرة القدم حالة اندماج للمشجعين سواء على صعيد فرق الاندية أو المنتخبات، ولكن المنتخبات تتميز بأنها تحشد أكبر عدد من الجماهير مشكّلة حالة وطنية عامة وأوسع من التشجيع النادوي.
وأكثر ما يلفت الأنظار أن المنتخبات تثير مشاعر المشجعين عند حالة الفوز أو الخسارة كما يحدث في البطولات القارية أو على مستوى العالم.
وما يحدث حالياً في منافسات كأس العالم خير دليل على هذا الاندماج الشعبي، حيث تتباين حالات المشاعر بين الجماهير من حيث النتائج، فالمنتخبات التي تفوز في المباراة بالتأكيد تختلف مشاعر جماهيرها عن نظرائها المشجعة للمنتخبات الخاسرة.
وتتجلى هذه المشاعر بين الفرح والحزن بعد إعلان نتائج المباراة أو عند انتهاء البطولة، وذلك من خلال ما يسمعه ويراه المشاهد عبر وسائل الإعلام والجلسات في الأماكن العامة ومنها المقاهي، من أغان وأهازيج وطنية حماسية تعكس صور الاعتزاز الوطني والتعبير عن الانتماء.
فيما يرى بعضهم ان لعب كرة القدم ومشاهدة من يمارسها ما هو إلا حالة تعبُر عن الانتماء الوطني وأنها تعزز روح الجماعة بين الجماهير وتشكيل روابط صداقة وتواصل بين أفرادها، وعلى عكس التواصل الافتراضي الذي جعل الأفراد منعزلين عما كانوا عليه من قبل سنوات. ولتأكيد أثر المنافسات الرياضية على المشجعين أن كثيراً من أفرادها يحاولون تقمص دور اللاعبين وتقليد سلوكياتهم، فإذا ما فاز المنتخب عبر المشجع عن مشاعره السارة وحالة الاعتزاز، وإذا ما خسر المنتخب الذي يشجعه فقد يلجأ إلى حالة عنف أو تصدر عنه تصرفات كالشتم والتنمر والتهديد وغيرها، كما تحدث بعض الحالات أثناء تسجيل الهدف أو اضاعة الفرصة خلال مجريات المباريات.
مثلما تحدث حالات أخرى كالمناكفات او تبنّي آراء مضادة بين فئة وأخرى، سواء كان الخلاف حول منتخب يشجعانه وهو منتخب الوطن، أو يشجع كل منهما منتخباً آخر لبلد من بلدان العالم.
ولكن من الجميل ان نظل نتذكر بأن ممارسة كرة القدم ما هي إلا مناسبة، الغاية منها الترويح والمتعة في الاندماج مع المشجعين الآخرين سواء من نجلس معهم في المدرج او المقاهي وليست فرصة للتعبير عن العدوانية، لفظية كانت أو جسدية.