تصاعد الاستيطان يهدد إمكانية قيام الدولة الفلسطينية
عقوبات أوروبية على شركات مرتبطة بمشاريع استيطانية
لم يعد ما تشهده الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلتان مجرد توسع استيطاني أو سلسلة من الانتهاكات المتفرقة، بل تحول إلى مشروع سياسي واستعماري متكامل، تتداخل فيه التشريعات العنصرية، والعنف الاستيطاني، والدعم العسكري، والتخطيط العمراني، لإعادة رسم الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية، وفرض واقع يجعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.
وتكشف تقارير إسرائيلية ودولية، في مقدمتها تحقيقات صحيفة «هآرتس»، وتقارير حركة «السلام الآن»، ووثائق الأمم المتحدة، عن منظومة متكاملة لا تستهدف السيطرة على الأرض فحسب، بل تعمل بصورة منهجية على اقتلاع الفلسطينيين من جذورهم، مستفيدة من انشغال العالم بالحرب على غزة، ومن حالة العجز التي أصابت المنظومة الدولية.
وتتجاوز هذه السياسة مفهوم الاستيطان التقليدي، لتصبح عملية إعادة هندسة شاملة للمشهد الفلسطيني، عبر فرض وقائع قانونية وإدارية وأمنية جديدة، تستهدف تقويض اتفاقيات أوسلو عملياً، والتوسع الاستيطاني داخل المناطق (أ) و(ب)، وفرض سيطرة كاملة على المناطق المصنفة (ج)، التي تمثل أكثر من 60 في المئة من مساحة الضفة الغربية، بما يجعل أي تسوية سياسية مستقبلية بلا مضمون جغرافي.
ويبرز «قانون أملاك الغائبين» بوصفه أحد أكثر الأدوات القانونية استخداماً في هذا المشروع. وكشف تحقيق للصحفي نير حسون في «هآرتس» كيف تحولت مؤسسات رسمية وشبه رسمية، وفي مقدمتها «الصندوق القومي لإسرائيل» وذراعه «هيمنوتا»، إلى أدوات قانونية لنزع ملكية الفلسطينيين في القدس الشرقية، ونقلها إلى جمعيات استيطانية، أبرزها جمعية «العاد».
وفي افتتاحيتها المعنونة «الصندوق القومي لإسرائيل.. وجه الطرد»، ترسم «هآرتس» مفارقة لافتة بين الصورة البيئية والتنموية التي يروجها الصندوق لنفسه، وبين دوره الفعلي في طرد الفلسطينيين من منازلهم، مؤكدة أن عائلة الشلودي في سلوان لا ترى في هذه المؤسسة سوى «وجه الطرد».
وتختزل قضية عائلة الشلودي جوهر هذه السياسة. فالعائلة تقيم في منزلها منذ عام 1964، أي قبل احتلال القدس الشرقية، فيما تحاول جمعية «العاد» انتزاع المنزل منذ أكثر من ثلاثة عقود، مستخدمة مختلف الوسائل القانونية، وآخرها «قانون أملاك الغائبين»، رغم أن القضاء أثبت سابقاً أن مالك العقار لم يكن «غائباً».
وعندما سقطت هذه الذريعة، انتقلت الجهات ذاتها إلى ادعاء غياب ورثة المالك لوجودهم في «خارج الدولة ».
وتوضح «هآرتس» أن سكان القدس الشرقية يعيشون في حالة قانونية استثنائية؛ فهم يحملون إقامة دائمة دون مواطنة، ويخضعون لنظام قانوني يميز ضدهم بصورة بنيوية، ويتركهم في مواجهة مباشرة مع الجمعيات الاستيطانية المدعومة من الدولة.
وتتم عملية الاستيلاء على العقارات وفق آلية مؤسساتية تبدأ بإعلان العقار «ملكاً للغائبين»، ثم نقله إلى الصندوق القومي، قبل تحويله إلى الجمعيات الاستيطانية.
وبهذا يصبح القانون نفسه أداة للمصادرة، إذ لا يكتفي بالتمييز بين اليهود والعرب، بل يحتكر حتى تعريف «الغائب»، بحيث يفقد الفلسطيني حقه في ملكيته إذا كان يقيم في الضفة الغربية أو أي دولة اخرى، بينما تبقى الملكية اليهودية مصونة في جميع الأحوال.
وتؤكد قضية عائلة سمرين، التي استمرت معركتها القضائية 30 عاماً قبل أن تنتهي بخسارتها عام 2020، أن هذه الممارسة ليست استثناء، بل سياسة راسخة تقوم على تجنيد منظومة قانونية كاملة لتسهيل انتقال الممتلكات الفلسطينية إلى الجمعيات الاستيطانية.
ولا يقتصر الأمر على المحاكم والقوانين، بل يمتد إلى تعاون مباشر بين المؤسسة العسكرية والمستوطنين.
ففي تحقيق بعنوان «الإدارة المدنية والمستوطنون يتشاركان في تصفية تجمعات فلسطينية»، يكشف الصحفي متان غولان أن الجيش الإسرائيلي لا يتدخل لوقف اعتداءات المستوطنين، بل يأتي لاحقاً ليكمل المهمة عبر هدم ما تبقى من المباني الفلسطينية، مانحاً عمليات الطرد غطاءً قانونياً وعسكرياً.
ويشكل ما جرى في تجمع «مخماس» نموذجاً واضحاً لهذه الآلية؛ إذ بدأ الأمر بإقامة بؤرة استيطانية، تلتها هجمات مسلحة وإحراق للمنازل واعتداءات متكررة على السكان، ثم مُنع الفلسطينيون من إعادة البناء بحجة أن المنطقة «عسكرية مغلقة»، قبل أن تتولى جرافات الإدارة المدنية إزالة ما بقي من المباني، رغم أنها قائمة على أراض فلسطينية خاصة ومسجلة رسمياً.
ويزداد المشهد وضوحاً مع شهادة إحدى المجندات الإسرائيليات التي قالت عن أحد المستوطنين: «يمكنه أن يفعل ما يشاء.. هذه أرضنا».
ويعكس هذا التصريح طبيعة العلاقة بين الجيش والمستوطنين، حيث لم يعد الجيش مجرد جهة أمنية، بل شريك في فرض السيادة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية.
وتزداد الصورة اكتمالاً مع تصريح قائد المنطقة الوسطى في الجيش، اللواء آفي بلوط، الذي اعتبر أن البؤر الاستيطانية الزراعية تساعد الجيش في منع «البناء الفلسطيني غير القانوني» في المناطق (ج)، في اعتراف صريح بأن الاستيطان أصبح جزءاً من العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وأن المستوطنين يؤدون وظيفة ميدانية تخدم أهداف الجيش.
وتكشف قصة بؤرة «كول مفسير» هذه الازدواجية بوضوح؛ فبينما تتوسع البؤرة غير القانونية وتحظى بالحماية العسكرية، يجبر الفلسطينيون على الفرار بعد إحراق منازلهم، ثم يأتي الجيش ليهدم حتى الأنقاض، في محاولة لطمس أي أثر لوجودهم.
وفي دوما، يروي أحد الفلسطينيين، وهو من حملة الإقامة المقدسية، كيف مُنع من الوصول إلى منزله الذي بناه على أرضه، بعد أن تعرض للسرقة والتخريب والتهديد بالقتل من قبل المستوطنين، قبل أن تهدمه الجرافات الإسرائيلية رغم استكماله الإجراءات القانونية. وفي موازاة ذلك، تستخدم السلطات الإسرائيلية أدوات بيروقراطية أقل صخباً وأكثر فاعلية، مثل نظام «أراضي المسح»، الذي يسمح بالسيطرة التدريجية على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية التي لم تستكمل إجراءات تسجيلها منذ عام 1967، بما يحولها عملياً إلى احتياطي استيطاني دائم.
وتبرز منطقة (E1) بوصفها الحلقة الأهم في هذا المشروع، إذ تمثل نقطة الوصل بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، والسيطرة عليها تعني فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وإجهاض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
ويكشف تحقيق آخر لمتان غولان أن الحكومة الإسرائيلية تمضي في تنفيذ 4 مشاريع استراتيجية في المنطقة، تشمل إقامة آلاف الوحدات الاستيطانية، وشق شبكة من الطرق والجسور والأنفاق لعزل الفلسطينيين وربط الكتل الاستيطانية بالقدس، فيما يؤكد المهندس ألون كوهين ليفشيتس من جمعية «بمكوم» أن هذه المشاريع ليست مخططات تنظيمية، بل خطة تهجير متكاملة تصدر بقرار سياسي من أعلى المستويات.
وتتفق حركة «السلام الآن» مع هذا التقييم، معتبرة أن مشروع الطرق في منطقة (E1) سيتيح ضم المنطقة فعلياً، وعزل القدس الشرقية عن الضفة الغربية، وتحويل المدن والبلدات الفلسطينية إلى جيوب منفصلة، بما يقضي عملياً على حل الدولتين.
ولم تعد هذه السياسات موضع انتقاد حقوقي فحسب، بل أصبحت محل توصيف قانوني دولي. فقد خلص تقرير لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية ترقى إلى نظام فصل عنصري، موثقاً تهجير أكثر من 36 ألف فلسطيني، وتسجيل أكثر من 1700 اعتداء استيطاني خلال عام واحد، معتبراً أن السلطات الإسرائيلية لا تتغاضى عن هذه الجرائم فحسب، بل توجهها وتشارك في تمكينها.
وفي تطور غير مسبوق، فرضت إحدى 11 دولة أوروبية، بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، عقوبات على شركات ومقاولين مشاركين في مشاريع البناء بمنطقة (E1)، محذرة من التبعات القانونية للمشاركة في إنشاء مستوطنات غير شرعية.
ويضيف الكاتب الإسرائيلي يوعانا غونين بعداً آخر للمشهد، معتبراً أن هذه السياسات تعكس ما يسميه «تعفن القوة والسلطة والقلب».
فمن الجندي الذي يرتدي قناع الجمجمة أثناء حماية اعتداءات المستوطنين، إلى السخرية من معاناة المحتجين، وصولاً إلى التشكيك الساخر في تقارير المجاعة في غزة باستخدام صور مولدة بالذكاء الاصطناعي، تتشكل، بحسب غونين، ثقافة عامة تقوم على تجريد الفلسطيني من إنسانيته وتحويل القسوة إلى قيمة اجتماعية وسياسية.
ويخلص الكاتب إلى أن أقنعة الموت التي يرتديها بعض الجنود لم تعد مجرد وسيلة لإخفاء الهوية، بل أصبحت رمزاً لتطبيع العنف، فيما تعكس القسوة المتجذرة في قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي حالة من «تعفن القوة والسلطة والقلب»، تجعل استمرار الاحتلال والتهجير أمراً مقبولاً بل مبرراً في الوعي الجمعي.
وتقود هذه الوقائع، مجتمعة، إلى نتيجة يصعب تجاهلها؛ فما يجري في الضفة الغربية والقدس الشرقية ليس سلسلة من التجاوزات الأمنية أو أعمال عنف منفصلة، وإنما سياسة دولة متكاملة تستخدم القانون، والقضاء، والمؤسسة العسكرية، والاستيطان، والتخطيط العمراني، لإعادة تشكيل الأرض والإنسان الفلسطيني، وفرض وقائع دائمة تحول دون أي حل سياسي قائم على دولتين.
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، يبدو أن حكومة اليمين والمستوطنين يسابقون الزمن لفرض أكبر قدر ممكن من الحقائق على الأرض، بما يجعل أي مفاوضات مستقبلية تدور حول خرائط لم يعد لها وجود، ويحول المشروع الاستيطاني من سياسة توسع إلى مشروع حسم نهائي للصراع على حساب الوجود الفلسطيني.