كتاب

فلسطين بعد الحرب: تسوية مؤجلة أم صراع مفتوح؟

شكلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية تحولاً استراتيجياً في بنية النظام الإقليمي، وأعادت ترتيب أولويات الشرق الأوسط بصورة كشفت حدود المقاربات التي سعت خلال السنوات الماضية إلى تهميش القضية الفلسطينية أو تجاوزها لصالح ملفات الأمن والطاقة والممرات التجارية والتنافس الجيوسياسي.
فمع انتهاء المواجهة العسكرية برزت حقيقة أساسية مفادها أن القضية الفلسطينية ما تزال تمثل العقدة المركزية في معادلة الاستقرار الإقليمي، وأن أي ترتيبات أمنية أو سياسية جديدة ستظل معرضة للاهتزاز ما دامت جذور الصراع دون معالجة، وبينما أعادت الحرب رسم بعض موازين القوة وكشفت عن تحولات مهمة في حسابات الفاعلين الإقليميين والدوليين، فإنها فتحت الباب في الوقت ذاته أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل القضية الفلسطينية، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد مساراً سياسياً جديداً يعيد إحياء فرص التسوية، أم أنها ستدفع المنطقة نحو دورة أكثر تعقيداً من الصراع وعدم الاستقرار.
عادة ما تخلق الحروب الكبرى بيئة سياسية جديدة تدفع الأطراف إلى مراجعة حساباتها والبحث عن ترتيبات أكثر استقراراً، غير أن المشهد الذي أفرزته الحرب الأخيرة يشير إلى اتجاه مختلف، فبدلاً من تعزيز فرص التسوية، تبدو إسرائيل أكثر تمسكاً بمنطق القوة وأكثر اقتناعاً بإمكانية إدارة الصراع من خلال التفوق العسكري والتكنولوجي والدعم الدولي الذي ما تزال تحظى به.
ويبرز هنا العامل الأكثر أهمية في فهم مستقبل القضية الفلسطينية، وهو التحول المتسارع داخل المجتمع والسياسة في إسرائيل نحو اليمين القومي والديني المتشدد، فخلال العقدين الماضيين انتقلت القوى اليمينية من موقع التأثير إلى موقع الهيمنة على المشهد والقرار السياسي، وأصبح الخطاب المرتبط بالتوسع الاستيطاني وفرض الوقائع على الأرض جزءاً من التيار الرئيسي في الحياة السياسية الإسرائيلية، كما تراجعت الأصوات التي كانت تدعو إلى التسوية أو ترى في حل الدولتين مصلحة استراتيجية لإسرائيل نفسها.
هذا التحول لا يرتبط بحكومة بعينها أو بظرف سياسي مؤقت، بقدر ما يعكس تغيراً أعمق في المزاج العام الإسرائيلي، فسنوات الصراع المتواصل عززت الاعتقاد لدى قطاعات واسعة من الإسرائيليين بأن الأمن يتحقق بالقوة والردع، وأن التسويات السياسية تنطوي على مخاطر أكبر من استمرار الوضع القائم. ومع تنامي نفوذ الأحزاب الدينية والقومية، أصبح الحديث عن الدولة الفلسطينية أكثر حساسية داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، بينما توسعت مساحة الخطابات التي تنظر إلى الأراضي الفلسطينية من منظور أيديولوجي وتاريخي وديني يقوم على إلغاء الحق الفلسطيني في الوجود على هذه الأرض.
وفي المقابل، أثبتت التطورات الأخيرة أن تجاهل القضية الفلسطينية لا يؤدي إلى الاستقرار الذي تسعى إليه إسرائيل أو القوى الدولية، فكل المحاولات التي ركزت على بناء ترتيبات اقتصادية وأمنية إقليمية من دون معالجة جوهر الصراع اصطدمت بحقيقة أن القضية الفلسطينية ما تزال قادرة على التأثير في الأمن الإقليمي وفي حسابات القوى الكبرى، ولهذا عادت فلسطين إلى صدارة النقاشات الدولية رغم كل التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.
المفارقة الأساسية تكمن في أن الحاجة إلى التسوية أصبحت أكثر إلحاحاً في الوقت الذي أصبحت فيه البيئة السياسية الإسرائيلية أقل استعداداً لها، فكلما ازدادت كلفة الصراع الإنسانية والأمنية والاقتصادية، ازدادت أهمية البحث عن حل سياسي مستدام. في المقابل، يواصل اليمين الإسرائيلي ترسيخ مقاربة تقوم على إدارة الصراع وإطالة أمده ومحاولة تغيير الحقائق على أرض الواقع بدلاً من معالجته من جذوره.
وتحمل هذه المعادلة مخاطر كبيرة على مستقبل المنطقة، فالصراعات الممتدة لا تبقى ثابتة، فأشكالها وأدواتها وساحاتها تتغير، واستمرار غياب الأفق السياسي يعني بقاء عوامل التوتر قائمة، بما يفتح المجال أمام جولات جديدة من المواجهات وعدم الاستقرار، كما أن أي نظام إقليمي جديد يسعى إلى تحقيق الاستقرار عبر الترتيبات العسكرية أو الاقتصادية سيواجه تحديات مستمرة طالما بقيت القضية الفلسطينية دون حل عادل وقابل للحياة.
في المحصلة، أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية القضية الفلسطينية إلى مركز المشهد الإقليمي والدولي، خاصة بعد تزايد التطرف الإسرائيلي بأشكاله كافة، لكنها كشفت في الوقت نفسه اتساع الفجوة بين الحاجة السياسية إلى التسوية والواقع السياسي داخل إسرائيل، فالتطرف المتصاعد في المجتمع والنخبة الحاكمة يدفع نحو تكريس منطق القوة، بينما تؤكد تجارب التاريخ أن الاستقرار طويل الأمد يرتبط بقدرة الأطراف على إنتاج تسويات سياسية تعالج أسباب الصراع، وبين هذين المسارين تقف المنطقة أمام مرحلة مفتوحة، تحمل في طياتها احتمالات متعددة، لكن المؤكد أن استقرار الشرق الأوسط أو دخوله في موجات متجددة من الصراعات والحروب سيبقى مرتبطاً إلى حد كبير بمستقبل القضية الفلسطينية.