كتاب

هل نُعِد أبناءنا لوظائف المستقبل أم لوظائف الماضي؟

مع انتهاء امتحانات الثانوية العامة كل عام، ينشغل المجتمع الأردني بالمعدلات والنتائج وقوائم الأوائل. تتكرر الأسئلة ذاتها: من حصل على أعلى معدل؟ وأي التخصصات يختار الطلبة؟ وما فرص العمل التي تنتظرهم؟
لكن بينما نسأل أبناءنا: 'كم حصلتم؟'، يبدو أن العالم يسألهم سؤالًا مختلفًا تمامًا: 'ماذا تستطيعون أن تفعلوا بما تعلمتم؟'
في عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي كتابة النصوص، وتحليل البيانات، والإجابة عن الأسئلة خلال ثوانٍ، لم تعد المعلومة وحدها مصدر القيمة كما كانت في الماضي. فالمعلومة أصبحت متاحة للجميع تقريبًا، أما القيمة الحقيقية فأصبحت في القدرة على التفكير، والتحليل، والإبداع، والتكيف مع التغيير.
هذا ليس مجرد انطباع أو توقعات مستقبلية. فبحسب تقرير 'مستقبل الوظائف 2025' الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، من المتوقع أن يشهد العالم خلق نحو 170 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2030، مقابل تراجع أو اختفاء 92 مليون وظيفة أخرى. وبعبارة أخرى، لسنا أمام أزمة وظائف بقدر ما نحن أمام أزمة جاهزية لمتطلبات سوق العمل الجديد.
الأهم من ذلك أن التقرير يشير إلى أن ما يقارب 39% من المهارات المطلوبة في سوق العمل اليوم ستتغير خلال السنوات القليلة المقبلة. وهذا يعني أن كثيرًا من الطلبة الذين يجلسون اليوم على مقاعد الدراسة قد يعملون مستقبلًا في وظائف لم تكن موجودة أصلًا عندما بدأوا تعليمهم المدرسي.
وليس من المستغرب أن يحتل هذا الموضوع مساحة واسعة في النقاشات التعليمية العالمية. ففي منتدى التعليم العالمي الذي عُقد مؤخرًا في لندن، برزت قضايا الذكاء الاصطناعي ومهارات المستقبل والتعلم مدى الحياة كأحد أبرز المحاور التي تشغل صناع السياسات التعليمية حول العالم. فالسؤال لم يعد يقتصر على ما الذي يجب أن يتعلمه الطلبة، بل كيف يمكن إعدادهم لعالم تتغير فيه المعارف والوظائف بوتيرة غير مسبوقة.وفي الأردن، حققنا خلال السنوات الماضية تقدمًا مهمًا في مجالات التحول الرقمي وإدخال التكنولوجيا إلى العملية التعليمية. إلا أن التحدي الأكبر اليوم لا يتمثل في توفير الأجهزة أو المنصات الرقمية فحسب، بل في إعادة النظر في طبيعة المهارات التي نمنحها لطلبتنا.
فهل ما زالت مدارسنا تمنح الطلبة مساحة كافية للتفكير النقدي؟ وهل نكافئ الإبداع كما نكافئ الحفظ؟ وهل نتيح للطلبة فرصًا حقيقية لحل المشكلات والعمل الجماعي واتخاذ القرار؟ أم أننا ما زلنا نقيس النجاح بقدرة الطالب على استرجاع أكبر قدر من المعلومات في ورقة امتحان؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نستمر في إعداد أبنائنا لوظائف الأمس بينما يتحرك العالم بسرعة نحو وظائف الغد. فالكثير من الأعمال الروتينية أصبحت قابلة للأتمتة، بينما ترتفع قيمة المهارات الإنسانية التي يصعب استبدالها، مثل الإبداع، والقيادة، والتواصل، والتفكير التحليلي، والقدرة على التعلم المستمر.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية المعرفة الأكاديمية أو التحصيل العلمي، بل على العكس. فالمعرفة ستبقى أساس كل تقدم، لكن الطريقة التي نوظف بها هذه المعرفة هي التي ستحدد قدرة أبنائنا على المنافسة في المستقبل.
ربما حان الوقت لأن نعيد طرح سؤال مختلف على أنفسنا: هل هدف المدرسة أن تملأ عقول الطلبة بالمعلومات، أم أن تساعدهم على استخدام تلك المعلومات لفهم العالم والتعامل مع تحدياته؟
ففي النهاية، المنافسة القادمة لن تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان قادر على التعلم والتكيف المستمر، وآخر ما زال يستعد لعالم لم يعد موجودًا.