كتاب

ولي العهد والرهان على عقولنا

زيارة الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، لشركة 'بلاي غراوند غلوبال' في وادي السيليكون، لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي في جدول أعمال مزدحم، بل كانت تختصر رسالة أعمق بكثير؛ تعلن اصرار الأردن على أن يكون في قلب العالم الجديد، العالم الذي تشكل ملامحه خوارزميات الذكاء الاصطناعي، ورقاقات أشباه الموصلات، والتقنيات الحيوية.
الحقيقة التي نعرفها جميعاً هي أن الأردن يمتلك خزانا كبيرا من الثروة البشرية والعقول النيرة (فربع خريجي جامعاتنا تقريباً يتسلحون بتخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات مثلا) وفي قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات نستطيع ان نروي قصص نجاح لـ 25 ألف شاب وشابة يعملون في أكثر من ألف شركة، بجانب آلاف الكفاءات التي تدير كبرى الشركات الإقليمية والعالمية.
ولنكن صريحين مع أنفسنا، فمعضلتنا التاريخية لم تكن يوماً في 'صناعة العقول'، بل في 'الحفاظ عليها' فلسنوات طويلة، كنا نعلّم وندرب أفضل الكفاءات، ثم نشاهدها بحسرة وهي تحزم حقائب الهجرة، والواجب أن تكون وفرة هذه العقول من أسباب جذب للاستثمارات إلى بلدنا.
التحول الحقيقي الذي يقوده ولي العهد اليوم يريد عكس حركة الهجرة هذه فبدل إرسال المزيد من شبابنا إلى الخارج، نريد حمل الشركات العالمية على القدوم إلينا، لتستثمر وتوظف وتبتكر من قلب عمان.
هذا الطموح هو جوهر 'رؤية التحديث الاقتصادي' التي تتطلع لمضاعفة حجم اقتصادنا الرقمي وفتح آلاف الفرص النوعية خلال السنوات القادمة، والأكيد ان تحصيل هذه الأهداف لن يكون سهلا؛ فالجميع يتسابق على جذب الاستثمارات وبناء مراكز البيانات العملاقة وتوفير البنى التحتية والتشريعات المناسبة.
ما يلزمنا أردنيا للنجاح هو توفير توليفة محكمة من التشريعات المرنة، والبنية التحتية الرقمية القوية، إضافة إلى تمويل جريء للأفكار الناشئة، وجامعات تتحدث لغة السوق وتخاطب حاجاته.
الثروة اليوم تولد داخل المختبرات وعلى شاشات الحواسيب ومن أفكار الشباب، ما نحتاجه هو ارادة حقيقية لإعادة تعريف الفعل الأردني؛ لنتوقف عن كوننا مجرد مستهلكين للتكنولوجيا، ونصبح شركاء في إنتاجها، ولنتحول من بلد يُصدّر طاقاته، إلى وطن يستقطب العالم بفضل هذه الطاقات.